وُلد القاضي الشّاعر أحمد عبد الغفّار تقيّ الدّين عام 1888 م.، في بلدة بعقلين، قضاءَ الشّوف، في كنف أُسرة عريقة عُرفت تاريخيًّا بالتّقوى والعِلم. أنجب ولدَين بارزين، هُما: الشّيخ حليم والشّيخ عادل تقيّ الدّين اللّذان تابعا مسيرته المهنيّة في سِلك القضاء، محافظَين على إرث والدهما في خدمة العدالة والقيم الأخلاقيّة.
ينتمي آل تقيّ الدّين إلى طائفة الموحّدين الدّروز في لبنان، وتُعدّ من العائلات المعروفة ذات المكانة الدّينيّة والاجتماعيّة في الجبل، سيّما في قضاء الشّوف. يعود نسب هذه الأُسرة إلى آل عبد الله الّذين يُقال إنّهم قدموا من الجبل الأعلى، قُرب مدينة حلب في بلاد الشّام، واستوطنوا مناطق عدّة في جبل لبنان، منها: طردلا (قُرب بلدة عْبيه)، ورمطون (قُرب كفر متّى)، وبلدة عين درافيل. وقد ورَد في كتاب نسب آل تقيّ الدّين أنّ الجدّ الأعلى للعائلة هو جنبلاط بن عبد الخالق، من بيت عبد الغفّار، المنتمي إلى سلالة آل عبد الله، وهذا يُشير إلى عُمق جذور العائلة التّاريخيّة والاجتماعيّة داخل المجتمع التّوحيديّ.
تلقّى أحمد تقيّ الدّين علومه الأولى في المدرسة الدّاوديّة، في بلدة عْبيه، ثمّ واصل دراسته في مدرسة الحكمة العريقة في بيروت، حيث تعمّق في اللّغة والآداب والمعارف القانونيّة. كما تلقّى علوم الشّريعة على أيدي نخبة من كبار العلماء في عصره، ما مكّنه من الجمع بين التّكوين الدّينيّ المتين والرّؤية القانونيّة الحديثة. في عام 1915 م. عُيّن قاضيًا، واستمرّ في خدمته القضائيّة متنقّلًا بين عدد من المحاكم، منها: بعبدا، عاليه، بعقلين، المتن، كسروان وبيروت، حتّى وفاته. وقد عُدّ مرجعًا بارزًا في الشّؤون المذهبيّة للطّائفة الدّرزيّة، نظرًا لما امتاز به من حكمة وسِعة أُفق واستقامة. ووُصف بأنّه شاعر عبقريّ وحكيم، يعالج مشاكل الأمّة بفكر ثابت، ورأي سديد، ومدارك واسعة. بعد وفاته منحته الدّولة اللّبنانيّة وسام الاستحقاق، كما رُفعت صورته في دار الكتب الوطنيّة عام 1974 م.، وخُصّصت عائدات ديوانه الشّعريّ لإنشاء نادٍ باسمه، في مسقط رأسه.
بدأ حياته المهنيّة بممارسة المحاماة لفترة وجيزة، ليُتاح له الإلمام العمليّ بخصوصيّات الدّفاع وتفاصيل العمل القانونيّ. غير إنّه سرعان ما انتقل إلى السِّلك القضائيّ، حيث عُرف بنزاهته الصّارمة، وقدرته على الموازنة بين نصّ القانون وروح العدالة، ليصبح موضع ثقة في الأوساط القانونيّة والطّائفيّة على السّواء. ومع المهامّ المدنيّة الّتي تقلّدها ظلّ مرتبطًا بجذوره الدّينيّة، وأصبح مرجعًا يُستشار في القضايا المذهبيّة، وهي مكانة نالها بفضل استقامته وسِعة عِلمه، بشهادة التّاريخ، فشكّل بذلك مثالًا يُحتذى به في الوسط القضائيّ اللّبنانيّ. ويُذكر أنّه سار على خطى جدٍّ من أسلافه المعروفين، وهو الشّيخ أحمد الكبير، الّذي حمل اسمه واتّبع نهجه في التّديّن والعمل العامّ. كما تابع ولداه، الشّيخان حليم وعادل، المسيرة القضائيّة ذاتها، فشكّلا امتدادًا حيًّا لقيم العدالة الّتي أورثهما إيّاها.
تميّز إنتاجه الفكريّ بجمعه بين المنجز القانونيّ والموهبة الأدبيّة. فقد ترك ديوانًا شعريًّا قام بجمعه وتنقيحه ابنه، الشّيخ حليم، وطُبع عام 1967 م.، تكريمًا لوجهه الأدبيّ بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على وفاته. كما ألّف عددًا من الدّراسات القانونيّة الّتي تُعدّ مرجعًا في مجالات التّشريع المحلّيّ والإدارة القرويّة، من أبرزها: نبذة في رسوم التّمغة (1927 م.)، شرح قانون المختارين ومجالس شيوخ القرى (1928 م.)، قاموس التّمغة (1933 م.). وقد اتّسمت هذه المؤلّفات بالدّقّة والوضوح، وأسهمت في ترسيخ الفقه القانونيّ في السّياق اللّبنانيّ الحديث، خصوصًا فيما يتعلّق بالإدارة المحلّيّة وأدوار المختارين في القرى. ولِما جمعه من صفات الشّاعر والقاضي، لُقّب بـِ-“شاعر القضاة” و-“قاضي الشّعراء”.
تناول في مقالاته وكتاباته الصّحافيّة موضوعات متعدّدة، عكست اهتمامه العميق بقضايا المجتمع، القانون والدّين. ومن أبرز القضايا الّتي شغلت حيّزًا من نتاجه:
- البحوث الحقوقيّة: ركّز فيها على تبسيط النّصوص القانونيّة وتوضيح ما قد يشوبها من غموض، ليكون قريبًا من هموم النّاس وفاهمًا لحاجاتهم؛
- القضايا المذهبيّة: نظرًا لمكانته بوصفه مرجعًا في الطّائفة، يُرجّح أنّه تطرّق في كتاباته إلى مسائل الأحوال الشّخصيّة والاجتماعيّة ذات الصِّلة بالمذهب التّوحيديّ-الدّرزيّ؛
- القضايا الاجتماعيّة: دعا إلى بناء مجتمع يستند إلى قيم العدل والمعرفة، وكان يرى في العِلم أداةً مركزيّة للإصلاح الاجتماعيّ؛
- الشّؤون القانونيّة: استعرض من خلالها الثّغرات التّشريعيّة وإشكالات التّطبيق، ساعيًا إلى تطوير منظومة القضاء المحلّيّ؛
- القضايا السّياسيّة والاجتماعيّة المعاصرة: وقد عاش في مرحلة حافلة بالتّحوّلات في لبنان والمنطقة، ما يرجّح أنّه تناول هذه القضايا من منطلق وطنيّ نقديّ، وإن لم تُحفظ معظم مقالاته في هذا المجال.
لقد مثّل أحمد عبد الغفّار تقيّ الدّين، في حياته القصيرة، تجربة فريدة لرجُل جمع بين رصانة القضاء، ورهافة الشّاعر وحرص المفكّر، فخلّف إرثًا لم يزل ماثلًا في الذّاكرة الثّقافيّة والقانونيّة للطّائفة المعروفيّة ولبنان عمومًا.
رحل أحمد عبد الغفّار تقيّ الدّين في 29 آذار عام 1935 م.، في بيروت، عن عمر ناهز السّابعة والأربعين عامًا. وفي 19 أيّار من العام نفسه، أقامت جامعة خرّيجي مدرسة الحكمة حفلًا تأبينيًّا تكريميًّا لذِكراه، حضره لفيف من كبار القضاة والمفكّرين. وفي لفتة وفاء وتقدير، منحته الحكومة اللّبنانيّة وسام الاستحقاق بعد وفاته، وخلّده الأمير أمين آل ناصر الدّين بقصيدة رثائيّة مؤثّرة جاء فيها:
“هذا ضريح فيه أحمد قد ثوى والفضل بعد أبي فريد مقصد
فجعت به غرّ المناقب إذ قضى واندكّ ركنٌ للقضاء مشيّد
وتلهّف الأدب الصّميم ولم يزل دمع اليراعة سائلًا لا يجمد
وَيح النزّاهة والوفاء كليهما قد أمسيا وأساهما لا ينفد
قف عند تربته وبالتّاريخ قُلّ حيّا ضريحك صيبٌ يا أحمد”
وقد عبّرت هذه الأبيات عن المكانة المرموقة الّتي احتلّتها هذه الشّخصيّة في الوجدان العامّ، وعن الأثر الّذي تركته في الأوساط القضائيّة والأدبيّة على حدّ سواء.
***
للاستزادة والتّوسُّع:
- الباشا، محمّد. معجم أعلام الدّروز. بقعاتا: معرض الشّوف الدّائم للكتاب، مج. 1، 1990، ص. 204-205.
- سميح ناطور. “تقيّ الدّين، أحمد عبد الغفّار”. موسوعة التّوحيد الدّرزيّة. سميح ناطور (تحرير)، ج. 3 (2011)، ص. 294.
- “أحمد تقيّ الدّين” (2025، آذار 17) في ويكيبيديا الموسوعة الحرّة: