الأميرة (السّتّ) حَبوس أرسلان

الأميرة (السّتّ) حَبوس أرسلان

تُعدّ الأميرة حبوس أرسلان واحدة من الشّخصيّات النّسائيّة البارزة في تاريخ جبل لبنان، في أواخر القرن الثّامن عشر وبدايات القرن التّاسع عشر الميلاديّين. وُلدت في بلدة الشّويفات، عام 1768 م.، في كنف أُسرة “أرسلان” المعروفة، وهي ابنة الأمير بشير بن محمّد أرسلان. تنحدر الأُسرة من سلالة عربيّة أصيلة ارتبط اسمها بالإمارة الغربيّة في جبل لبنان، وكانت من الأُسر الإقطاعيّة البارزة الّتي اضطلعت بأدوار سياسيّة واجتماعيّة في العهد العثمانيّ.

شبّت السّتّ حبوس في بيئة أُمراء، وتلقّت تربية رفيعة المستوى، جمعت بين التّهذيب والعادات المميزة لبنات الأُسر الحاكمة في جبل لبنان. وقد وصفها جرجي نقولا باز، في مجلّة الخِدر (1922-1923 م.) بقوله: “أميرة الغرب اسمًا وفعلًا، حاكمة البلاد، مدبّرة العباد، نابغة عصرها من بنات جنسها”. وقد نُسب، خطأً، إلى السّتّ حبوس أنّها من آل شهاب، غير أنّ الأمير عادل أرسلان أكّد، في رسالة إلى خير الدّين الزّركلي، أنّها أرسلانيّة أصيلة. ومن الطّرائف ذات الصّلة بتاريخها أنّ غضبها على وكيل أملاكها المدعو “زيدان” دفعه إلى النّزوح إلى بيروت، وهناك أنجب ذرّيّة كان من بينهم المؤرّخ الشّهير جرجي زيدان، مؤسّس مجلّة الهلال. وهكذا ارتبط اسمها، بطريقة غير مباشرة، بتاريخ النّهضة الأدبيّة العربيّة.

تزوّجت السّتّ حبوس نحو عام 1790 م. ابنَ عمّ والدها، الأمير عبّاس فخر الدّين أرسلان. غير إنّه توفّي عام 1809 م. تاركًا وراءه أبناءً صغارًا. عندها تولّت السّتّ حبوس إدارة شؤون الأُسرة والإمارة بنفسها، فأثبتت جدارتها بالسُّلطة في مجتمع لم يكن مألوفًا فيه أن تتصدّر امرأة موقع القيادة. وقد أنجبت أربعة أبناء، وهُم الأمراء: منصور، أحمد، حيدر وأمين. ومن خلالهم استمرّ حضور الأُسرة الأرسلانيّة في الحياة السّياسيّة اللّبنانيّة. وهي، أيضًا، جدّة الأمير حمّود حسن أرسلان، والد الأميرَين عادل وشكيب أرسلان.

النّفوذ والحُكم

لم يقتصر نفوذ السّتّ حبوس على بلدة الشّويفات وحدها، فقد امتدّ إلى مناطق واسعة، مثل: عين عنوب، عرمون، بشامون، عين كسور، وإلى البعض من المزارع المجاورة. وتشير دائرة المعارف للبستانيّ إلى أنّها بدأت ممارسة سُلطتها في الإقطاعيّة الغربيّة منذ عام 1793 م.، حيث أدارت الحكم بحكمة جعلتها موضع إعجاب اللّبنانيّين وتقديرهم.

أجمع معاصروها على أنّها جمعت بين الصّرامة والعدل. فقد وصَفها المؤرّخان أحمد فارس الشّدياق وبطرس البستانيّ بأنّها كانت “ملجأً وعونًا للنّاس”، وأنّها أدارت الحكم بفطنة وذكاء، ما جعلها محلَّ احترام واسع. كما ذكر الكولونيل تشرشل في تاريخ لبنان أنّ أكابر الزّعماء كانوا يجتمعون عندها للتّداول في الشّؤون العامّة والاسترشاد بآرائها. فيما أشارت الدّكتورة نجلاء أبو عزّ الدّين إلى أنّها كانت من النّساء القلائل اللّواتي تقدّمن على أقرانهنّ من الرّجال، لِما عُرفت به من سداد الرّأي وكرم اليد والنّفس وعلوّ الهمّة.

مواجهة والي عكّا (1794 م.)

برز دور السّتّ حبوس السّياسيّ الكبير حين اعتقل والي عكّا، أحمد باشا الجزّار، الأمير بشير الشّهابيّ وأخاه، حسن، وكذلك الشّيخ بشير جنبلاط، وطالب بفدية ضخمة مقابل الإفراج عنهم. ويذكر المؤرّخون أنّ السّتّ حبوس سارعت إلى مدّ يد العون، فأرسلت الأموال مرارًا للتّخفيف من عبء الفدية. ثمّ لم تكتفِ بالدّعم الماليّ، فذهبت بنفسها إلى عكّا، حيث واجهت الجزّار مباشرةً. وبحسب ما يروي لامارتين في كتابه، رحلة إلى الشرق، فقد استطاعت حبوس، بذكائها وحنكتها وحضورها، أن تستميل الوالي العاتي وتفرض احترامها عليه، فخفّض المبلغ المطلوب بشكل كبير، وأُطلق سراح البشيرَين. هذا الموقف رسّخ مكانتها بوصفها قائدة شجاعة تتمتّع بالجرأة السّياسيّة والصّلابة المعنويّة.

الصّراعات والتّحوّلات السّياسيّة (1820-1842 م.)

بعد عزل الأمير بشير الشّهابيّ، عام 1820 م.، ظلّت الأُسرة الأرسلانيّة محافظةً على نفوذها، وبرزت السّتّ حبوس ركنًا أساسًا في هذه المعادلة. ولمّا عاد بشير إلى الحُكم، عام 1822 م، عيّن ابنها، الأمير أحمد أرسلان، أميرًا على الشّويفات، في خطوة فسّرها البعض على أنّها محاولة للحدّ من سُلطتها المباشرة. وفي عام 1824 م.، ومع صعود نفوذ الشّيخ بشير جنبلاط، ازدادت مخاوف السّتّ حبوس من تضييق الشّهابيّين، فانتقلت إلى بشامون، لكنّها واصلت التّدخّل في الشّؤون العامّة من هناك.

ولم يقتصر دور السّتّ حبوس على العمل السّياسيّ والدّبلوماسيّ، بل ورَد أنّها اشتركت في التّصدّي لاعتداءات القبائل على القرى الدّرزيّة في حوران. فقد حشدت المقاتلين، وقادت بنفسها مواجهة انتهت بانتصارها، فزادت هيبتها ومكانتها بين أعيان الجبل.

مكانتها في الذّاكرة التّاريخيّة

كانت السّتّ حبوس، بحقّ، امرأة جامعة للصّفات السّياسيّة والإنسانيّة. فقد تميّزت بالشّجاعة والكرم، وبالقدرة على الجمع بين الحزم واللّين. وقد وصفها بطرس البستانيّ، في دائرة المعارف، بأنّها صاحبة فطنة في الحُكم، وكرم يد ونفس، فيما أشار جرجي نقولا باز إلى أنّ البعض من المؤرّخين تجاهلوا ذِكرها عمدًا، ومنهم الأمير حيدر شهاب الّذي أغفل الحديث عنها، ما دفع باز إلى بذل جهد كبير في إعادة تدوين سيرتها وضبط تواريخها.

ثمّ إنّ الروايات حول وفاتها قد كثُرت وتباينت؛ ففي حين اكتفى البستانيّ بالقول: إنّها “ماتت بدسيسة من الأمير بشير”، يروي الشّدياق أنّها توفّيت قهرًا بعد أن ضيّق عليها الأمير بشير قاسم حيدر، المعروف لاحقًا بـِ-“بشير الثّالث”. وقد لجأ أبناؤها إلى الشّيخ منصور الدّحداح طلبًا للمساعدة، لكنّ القدر سبق التّدخُّل.

وتنقل البعض من الأخبار الشّعبيّة أنّ موتها جاء نتيجة دسيسة؛ فقيل إنّها ماتت خنقًا، أو أُطلق عليها النّار قرب كنيسة عين عنوب، أو انهارت حين اعترضها جنود وهي خارجة من قصرها. وهذه الأخبار، وإن بدت دراميّة، فإنّ ضعف توثيقها يجعلها أقرب إلى الأساطير الشّعبيّة المتوارثة الّتي تضخّم الوقائع وتخلطها بالخيال.

تُعدّ السّتّ حبوس أرسلان واحدة من أبرز الشّخصيّات النّسائيّة في تاريخ المشرق العربيّ الحديث. فقد مثّلت نموذجًا فريدًا للمرأة القادرة على الجمع بين المكانة العائليّة والقيادة السّياسيّة والاجتماعيّة. وقد تركت إرثًا يتجاوز أُسرتها إلى الذّاكرة التّاريخيّة العامّة؛ إذ أثبتت أنّ المرأة يمكن أن تكون صاحبة قرار وموقع قياديّ في زمن شديد الاضطراب. وعلى الغموض الّذي يكتنف وفاتها، فإنّ سيرتها ظلّت حاضرة في كتابات المؤرّخين، وفي الوجدان الشّعبي، بوصفها “أميرة الغرب” الّتي جمعت بين الحزم والرّأفة، بين الكرامة الشّخصيّة والنّجدة العامّة.

***

للاستزادة والتّوسُّع:

  1. البستانيّ، كرم. أميرات لبنان. د. م.: دار مارون عبّود، 2001.
  2. حلبي، عبّاس. الموحّدون الدّروز، ثقافة وتاريخ ورسالة. دار النّهار، 2008.
  3. أبو حمدان، تيسير، الدّروز مسلكًا ومعتقدًا. شركة الشّرق الأوسط للطّباعة،
  4. الزّركلي، خير الدّين. الأعلام. بيروت: دار العلم للملايين، ج. 2.، 1980، ص. 168-169.
  5. زهر الدّين، صالح: تاريخ المسلمين الموحّدين الدّروز. المركز العربيّ للأبحاث والتّوثيق، 1991.
  6. صعب، عفيفة. “المرأة الدّرزيّة”. الواقع الدّرزيّ وحتميّة التّطوّر: مجموعة محاضرات. بيروت: منشورات رابطة العمل الاجتماعيّ، ص. 31.
  7. أبي المنى، سامي. المظاهر الثّقافيّة عند الموحّدين الدّروز: الخصوصيّة والاندماج. بيروت: الدّار العربيّة للعلوم ناشرون، 2014.
  8. سميح ناطور. “أرسلان، حبوس بشير”. موسوعة التّوحيد الدّرزيّة. سميح ناطور (تحرير)، ج. 1 (2011)، ص. 140-141.

מבט על

הדרוזים בישראל

ההתיישבות הדרוזית בישראל נחשבת לשלישית בגודלה, מבחינת מספר התושבים, בעולם כולו. הדרוזים בישראל (בני דת הייחוד) מהווים עדה דתית מגובשת, המונה כ- 147 אלף בני אדם, שפתם הינה ערבית ותרבותם ערבית-ייחודית (מונותאיסטית). הדת הדרוזית מוכרת באופן רשמי, על ידי מדינת ישראל, מאז שנת 1957 כישות אחת בעלת בתי משפט והנהגה רוחנית משלה. הדרוזים בישראל חיים כיום בתוך עשרים ושניים כפרים הנפרשים בגליל, בכרמל וברמת הגולן. שני היישובים הדרוזים הגדולים ביותר מבחינת מספר תושבים הם ירכא (16.9 אלף תושבים) ודלית אל-כרמל (17.1 אלף תושבים).

0 K

דרוזים בישראל

0 +

תושבים בדאלית אלכרמל, היישוב הכי גדול בישראל

0

סטודנטים דרוזים בשנת הלימודים 2019/2020 במוסדות להשכלה גבוהה