الأمير سيف الدّين يحيى التّنّوخيّ؛ هو الأمير سيف الدّين يحيى بن الأمير فخر الدّين عثمان بن الأمير سيف الدّين يحيى بن الأمير زين الدّين صالح بن الأمير ناصر الدّين الحسين الكبير، وابن أخ الأمير والمؤرّخ صالح بن يحيى، صاحب كتاب تاريخ بيروت.
ترعرع يتيم الأب؛ إذ توفّي والده وهو لم يزل في السّابعة من عمره، ونشأ في بيئة علميّة وأخلاقيّة رفيعة. وصفه الشّيخ محمّد بن مالك الأشرفانيّ بـ-“كاتب الدّارَين، وصائغ الدّارَين، وشاعر الدّارَين”، لما اتّصف به من فضائل سامية وأخلاق كريمة، كالعِلم الغزير، والحلم الوفير، والفصاحة الرّفيعة، والبلاغة السّامية، والجود الوافر، والزّهد الورِِع. وقد تميّز الأمير سيف الدّين ببلاغة شِعره، ودقّة تصويره، وجزالة تعبيره؛ إذ صوّر، في قصائده، النّفس البشريّة وما يعتريها من أهواء وتحوّلات، بأسلوب عميق ورصين، حتّى غدت حكَمه وأقواله أمثالًا يُستشهد بها في مواطن الحكمة والفصاحة.
عُرف الأمير سيف الدّين بحكمته وشجاعته، وحرص على اتّخاذ القرارات الّتي تخدم مصلحة أبناء التّوحيد. فكان قائدًا نال من التّقدير والاحترام الكثير. كما وُصف بأنّه من تلاميذ الأمير السّيّد، قدّس الله سرّه؛ إذ صحبه ونهل من علمه، فتهذّب سلوكه واستقام نهجه، حتّى عُدّ من أهل الفضل والصّلاح، وارتبط اسمه بأسماء أولئك الّذين تربّوا على تعاليم التّوحيد ونهلوا من ينابيع الحكمة والسّلوك القويم. ويروى أنّ الأمير السّيّد أرسله إلى مصر، في أواخر أيّامه، برفقة الشّيخ ابن عليّ مرعي، لكي يجلب وثائق هامّة ومراجع أصليّة كان بحاجة إليها، ومن أجل دراسة ما تبقّى من آثار الدّعوة التّوحيديّة في تلك البلاد.
وقد اشتُهر الأمير، إلى جانب ورعه، بمهاراته الفنّيّة الفريدة؛ إذ كان خطّاطًا بارعًا، امتاز بإتقان الخطّ العجميّ (الفارسيّ)، كما تمرّس في فنّ الصّياغة، بعد أن تلقّى أسرارها إمّا في اسطنبول وإمّا في تبريز، فأبدع قوالب وتحفًا تنطق بجمالها، وتعجز الألسن عن وصفها. فتحت له هذه المهارات أبواب الرّزق، فاستغنى بعد عوز، وأصبح من أصحاب اليسار. ولم يغيّر الغنى من طبيعته السّخيّة ونزعته إلى الزّهد، لكنّه زاد في عطائه وتواضعه، فكان يجوب القرى والمناطق يتفقّد أحوال النّاس، ويفرّق ماله على المحتاجين والمساكين، تلبيةً لنداء الرّحمة ونصرةً للضّعفاء. ومن أشهر ما يُروى عنه، قصّة “حُطّ في الخرج” الّتي تحوّلت إلى مثَل يُستشهد به في مواطن الحسم والكرم؛ فقد كان يحمل خرجًا مملوءًا بالمال على فرسه، يطلب من الأغنياء أن يضعوا فيه زكاة أموالهم، ومن الفقراء أن يأخذوا منه حاجتهم من دون حرج. واستمرّ على هذه الحال حتّى عاد في يوم من الأيّام إلى بيته، فوجد أنّ الخرج لم يُمسّ، فعلم أنّ البلاء قد انقشع، والضّائقة قد زالت عن العباد. فكان هذا الفعل شاهدًا على حكمته، ووسيلته الرّاقية في بثّ التّكافل الاجتماعيّ، وقدرته على الجمع بين العمل الصّالح والفكر العمليّ الحكيم.
برز الأمير سيف الدّين يحيى التّنّوخي في كنف أُسرة عريقة ارتبط اسمها بتاريخ جبل لبنان ومجتمع التّوحيد، لِما اضطلعت به من دَور رياديّ في حياة المنطقة السّياسيّة والدّينيّة. نشأ في أجواء مشبعة بثقافة التّوحيد، وتقاليد الإدارة والحكم الّتي عُرفت بها أُسرته، فتأثّر بها في فكره وسلوكه. وتنتسب عائلته إلى قبيلة تنّوخ العربيّة الّتي تعود جذورها إلى ما قبل الإسلام، وتعود إلى قحطان، واحد من أبرز أصول العرب العدنانيّة، وقد عُرفت هذه القبيلة بالشّجاعة وغنى إرثها الثّقافيّ والاجتماعيّ.
في ظلّ هذا الانتماء العائليّ العميق، نشأ الأمير سيف الدّين على وعي مُبكِر بمكانة الطّائفة الدّرزيّة ومسؤوليّة قيادتها، فحمل على عاتقه، منذ صباه، واجب الحفاظ على وَحدة الصّفّ وصون الإرث القياديّ لآبائه وأجداده. وأسهمت هذه النّشأة المتميّزة في نضوج شخصيّته وصقل قدراته، فتهيّأ ليكون واحدًا من أعلام الطّائفة المرموقين في الفكر والسّياسة والعمل العامّ.
وفي بيئة يُعدّ فيها التّعليم الدّينيّ حجر الأساس في بناء الفرد، تلقّى سيف الدّين تربية روحانيّة وفكريّة راسخة، تشبّع فيها بقيم التّوحيد ومبادئه العليا. وقد اقترنت هذه التّربية بمعرفة سياسيّة مُبكِرة، اكتسبها في سياق تاريخيّ مضطرب، سيّما عقب سقوط الدّولة الفاطميّة، ما استوجب عليه التّعامل بوعي متقدّم مع التّوازنات القائمة بين العقيدة والسّياسة، حفاظًا على مكانة الطّائفة واستقرارها في محيطٍ تتنازعه قوى عديدة.
اضطلع الأمير سيف الدّين يحيى التّنّوخيّ بدَور محوريّ في التّعامل مع التّحدّيات الكبرى الّتي عصفت بجبل لبنان، في زمن اتّسم بالصّراعات الدّاخليّة والتّهديدات الخارجيّة، وبالتّقلّب في موازين الحُكم بين المماليك والعثمانيّين. لم تكن قيادته مجرّد موقع وراثيّ، لكنّها استندت إلى حكمة متقدّمة وحسّ سياسيّ مرهف، مكّنَاه من التّفاعل الواعي مع مستجدّات عصره، فأتقن فنّ الدّبلوماسيّة إلى جانب حُسن إدارة النّزاعات، واشتهر ببُعد النّظر والحذر في اتّخاذ القرارات. وإلى جانب حضوره السّياسيّ، كان الأمير يُنظر إليه بوصفه زعيمًا دينيًّا، يُجسّد في سلوكه التّمسّك الصّادق بقيم التّوحيد، والزّهد، والورع، والتزامه العميق بالدّفاع عن الطّائفة وحقوقها، في مواجهة الأخطار الّتي كانت تُحدق بها من الدّاخل والخارج على السّواء. وقد اقترنت هذه القيادة الرّشيدة بصفات شخصيّة نادرة، من شجاعة وإقدام؛ إذ عُرف بتقدّمه الصّفوف في المعارك، وبكرمه الباذخ الّذي بلغ حدّ الإغداق على أبناء قومه، دونما تفاخر أو منّة. أمّا حكمته في اتّخاذ القرار فكانت تتجلّى في مواقف حاسمة وفارقة، تُظهر وعيه العميق بالتّوازنات الدّقيقة. وقد عبّر عن هذه الصّفات مجتمعةً في قصائده الّتي لم تكن مجرّد مدائح أو مفاخرات، بل مرآةً لالتزامه الرّوحانيّ والقيَميّ، وتوثيقًا شعريًّا لاعتزازه بمسيرته، وبدوره في صون الطّائفة وإرثها في جبل لبنان.
رحل الأمير سيف الدّين يحيى التّنّوخيّ عام 1459 م.، عن عمر ناهز الخامسة والسّبعين. وإذ لم يُرزق وريثًا يحمل اسمه أو يتابع نسله، آثر أن يجعل من ثروته ميراثًا للخير، ففرّق معظم أمواله ووزّعها على الفقراء والمحتاجين من المستجيبين، وأوقف جزءًا منها على وجوه البرّ، سيّما على الأكابر من أهل العلم والفضل، حابسًا جُلَّها على الأمير السّيّد، وفاءً لعهد التّوحيد وانتمائه الرّوحانيّ. ومن أبرز ما خَلّفه من آثار مادّيّة شاهدة على مكانته، مصحفٌ مكرَّم نسخَه بيده الكريمة، لم يزل محفوظًا إلى اليوم في بلدة رأس المتن، دلالةً على تفرّده في الخطّ وتعلّقه بالمقدّس.
***
للاستزادة والتّوسُّع:
- حمزة، نديم. التّنّوخيّون: أجداد الموحّدين (الدّروز) ودورهم في جبل لبنان. بيروت: دار النّهار للنّشر، 1984.
- أبو صالح، عبّاس. تاريخ الموحّدين الدّروز السّياسيّ في المشرق العربيّ. بيروت: منشورات المجلس الدّرزيّ للبحوث والإنماء، 1981.
- عزّام، فايز. من أعلام الدّروز. القدس: وزارة المعارف والثّقافة، 1980.
- “سيف الدّين التّنّوخيّ” (2022، آب 11). ويكيبيديا: الموسوعة الحرّة.