السّتّ أمّ ناصر الدّين ناجية

السّتّ أمّ ناصر الدّين ناجية

السّتّ أم ناصر الدّين ناجية؛ شخصيّة نسائيّة موحّدة فاضلة، عُرفت بتقواها وورعها وعِلمها الرّوحانيّ، واشتهرت بسلوكها القويم، ومواظبتها على العبادات والأذكار، وتلاوتها للمعلوم الشّريف، ما جعلها نموذجًا للمرأة الصّالحة في عصرها. كما أدّت دورًا اجتماعيًّا وتربويًّا محوريًّا؛ إذ كانت تُعين الأخوات في الشّؤون الدّينيّة، وتحرص على تعليم البنات، وتبثّ فيهنّ القيم التّوحيديّة والسّلوكيّات الرّوحانيّة الرّفيعة. وقد أسهمت، من موقعها، في نشر الوعي الدّينيّ والتّربويّ بين النّساء والفتيات في مجتمعها، فأصبحت محلَّ تقدير واحترام كبيرَين من قِبل معاصريها.

هي والدة الأمير ناصر الدّين محمّد، تنحدر من بيت عِلم ودين، وهي ابنة القاضي زين الدّين عبد الوهّاب البيصوريّ الّذي كان من رجال الدّين المعروفين في جبل لبنان. كما أنّها شقيقة السّتّ نفيسة؛ واحدة من السّيّدات المتديّنات اللّواتي عُرفن في محيط الدّعوة التّوحيديّة في تلك المرحلة. تزوّجت الأمير سيف الدّين أبي بكر، وهو من أبرز الشّخصيّات المرتبطة مباشرة بالحلقة الرّوحانيّة القريبة من الأمير جمال الدّين عبد الله التّنّوخيّ؛ إذ كان سيف الدّين هذا من أبرز تلامذته وخلفائه في حمل تعاليم المدرسة الرّوحانيّة، ما يعكس ارتباط أمّ ناصر الدّين ناجية ببيت القيادة الدّينيّة والسّياسيّة في زمنها، من جهة النّسب والمصاهرة على حدٍّ سواء.

تعود أبرز المعلومات التّاريخيّة المتوفّرة عن السّتّ ناجية إلى مستند نادر، عُثر عليه لدى السّيّدة سميرة وهّاب، من بلدة غريفة الشّوف، في لبنان. وبحسب ما ورَد، فقد انتقل هذا المستند إليها من خلال سيّدة تنتمي إلى أُسرة علم الدّين التّنّوخيّة، وهي من العائلات العريقة في جبل لبنان، الّتي احتفظت به ضمن أرشيفها الخاصّ. وقد بادرت السّيّدة سميرة إلى إطلاع الشّيخ أبي صالح فرحان العريضي على هذا المخطوط، فقام بدراسته وتضمينه في الجزء الثّاني من مؤلّفه المرجعيّ الهامّ مناقب الأعيان. ويُعدّ هذا المخطوط كتيّبًا تأبينيًّا فريدًا، يضمّ مجموعة من المراثي الّتي نظمها عدد من وجهاء ذلك العصر وأدبائه في رثاء السّيّدة ناجية الفاضلة.

وعلى قيمة المخطوطة الكبيرة، فإنّها لا تحتوي على تفاصيل موسّعة عن سيرة حياتها أو عن بقيّة أفراد أُسرتها، الأمر الّذي يضفي على شخصيّتها هالةً من الغموض النّبيل، ويجعل ممّا وصل إلينا من مدائحها ومراثيها المصدر الأهمّ لتوثيق حضورها التّاريخيّ والرّوحانيّ.

تعود المخطوطة الّتي وثّقت سيرة السّتّ ناجية إلى القرن العاشر للهجرة، وقد سبق الإشارة إلى أنّها وصلت إلى السّيّدة سميرة وهّاب، في بلدة غريفة الشّوف، الّتي تولّت الحفاظ عليها، قبل أن تنقل مضمونها إلى الشّيخ أبي صالح فرحان العريضي. وتتضمّن هذه الوثيقة مجموعة من المراثي الّتي نظمها علماء وأدباء من وجهاء ذلك الزّمان، تخليدًا لذكرى السّتّ ناجية، وإقرارًا بمكانتها الرّفيعة في المجتمع التّوحيديّ. وتمتاز هذه المراثي بطابعها الإنشاديّ، وبأسلوبها البلاغيّ الّذي يمزج بين الفصاحة الدّينيّة والرّقّة الشّعوريّة، وقد ورد في البعض منها وصف نثريّ ذو طابع شعريّ، يقول:

“الزّكيّة الأعراق، الرّضيّة الأخلاق، الوفيّة المعاشرة، العليّة المؤازرة، الجميلة المحاضرة، القليلة المنافرة، السّريعة الإجابة، الكثيرة الإصابة، الكريمة الجدّين، السّمحة اليدين، سلالة السّادة المشايخ الأكابر، الوارثين المجد كابرًا عن كابر… فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من مصابٍ ما أوجعه، وخطبٍ ما أفجعه… فكأنّه أودع بدرَ الدّجى أطباقَ الثّرى، وأحلّ مكانه في القلوب والنّواظر، روضات الرّموس والمقابر… فأوحشت المنازل، وأنِست القفار، وزادت بعدك الحسرات… يا الله من يوم الفراق، سُكبت فيه الدّموع من الأحداق، وتألّمت القلوب من غصص الشّجا… فلا تسأل المشايخ المكرّمين ما تمّ في ذلك اليوم على الأهل والمحبّين، فإنّهم أصبحوا فيه مثكولين، ولأجله باكين، ولها بالحمد ذاكرين… ولو استقصينا ما عندنا من الحزن والشّفقة، وجميل سيرتها في حياتها، وما أُثني عليها بعد وفاتها، لضاق الكتاب، وحصل الإسهاب… ونهدي بعد ذلك أتمّ التّحيّة والسّلام على السّادة الكرام، والودّ التّامّ على الدّوام والسّلام”.

وقد نقل الشّيخ أبو صالح هذا النّصّ في كتابه مناقب الأعيان (ج. 2، ص. 50)، بوصفه وثيقة نادرة تعكس مكانة هذه السّيّدة الفذّة في قلوب معاصريها، وتُبرز البعد الشّعريّ في رثاء النّساء العالمات في المجتمع التّوحيديّ.

تجلّت شخصيّة السّتّ ناجية في صورة مثاليّة للمرأة التّوحيديّة الفاضلة؛ إذ تُوّجت سيرتها بالتّقوى والصّلاح والالتزام الرّوحانيّ، ما جعلها موضع تقدير من الشّعراء والأدباء الّذين وثّقوا مآثرها في كتاباتهم. وقد استخلص الشّيخ أبو صالح فرحان العريضيّ قسمًا من هذه النّصوص الرّثائية من المخطوطة القديمة، وضمّنها في مؤلفه، مناقب الأعيان، لتكون شاهدة على مكانتها الرّفيعة في وجدان مجتمعها. كما أشار الشّيخ صلاح الدّينّ الحلبيّ، في واحد من نصوص الرّثاء الّتي وردت لاحقًا، إلى فضائلها ومحاسنها.

ويُؤسف أنّ المخطوطة الأصليّة الّتي كانت تحتوي على كامل التّفاصيل المتعلّقة بحياتها وسيرتها قد تعرّضت للتّجزئة أو الضّياع، ما جعل ما تبقّى منها وثائق متناثرة تحفظ جزءًا من الذّاكرة الرّوحانيّة لتلك السّيّدة الموقّرة.

أشار الشّيخ أبو صالح فرحان العريضي إلى حادثة ذات دلالة رمزيّة تتّصل بموهبة السّتّ ناجية المبكرة؛ فيروي أنّها نظمت بيتَين من الشّعر في طفولتها، ولم تكن قد تجاوزت العاشرة من عمرها، وذلك عند زيارة خالها، الأمير السّيّد، إلى بيتهم في بلدة بيصور. وقد جاء في الرّواية أنّها قالت:

“لو تعلم الدّار من قد زارها فرحت

واستبشرت ثمّ باست موضع القدمِ

وأنشدت بلسان الحال قائلةً

أهلًا وسهلًا أميرَ الجودِ والكرمِ”.

تُظهر هذه الأبيات، على بساطتها، حسًّا شعريًّا مرهفًا، وتدلّ على نشأتها في بيئة مشبعة بالثّقافة الدّينيّة والبلاغة اللّغويّة، كما تُبرز عمق احترامها وتوقيرها لرموز الدّعوة، وعلى رأسهم الأمير السّيّد.

***

     للاستزادة والتّوسُّع:

  1. العريضي، فرحان. مناقب الأعيان. ج. 2، عاليه: مدرسة الاشراق، 2000.

 

מבט על

הדרוזים בישראל

ההתיישבות הדרוזית בישראל נחשבת לשלישית בגודלה, מבחינת מספר התושבים, בעולם כולו. הדרוזים בישראל (בני דת הייחוד) מהווים עדה דתית מגובשת, המונה כ- 147 אלף בני אדם, שפתם הינה ערבית ותרבותם ערבית-ייחודית (מונותאיסטית). הדת הדרוזית מוכרת באופן רשמי, על ידי מדינת ישראל, מאז שנת 1957 כישות אחת בעלת בתי משפט והנהגה רוחנית משלה. הדרוזים בישראל חיים כיום בתוך עשרים ושניים כפרים הנפרשים בגליל, בכרמל וברמת הגולן. שני היישובים הדרוזים הגדולים ביותר מבחינת מספר תושבים הם ירכא (16.9 אלף תושבים) ודלית אל-כרמל (17.1 אלף תושבים).

0 K

דרוזים בישראל

0 +

תושבים בדאלית אלכרמל, היישוב הכי גדול בישראל

0

סטודנטים דרוזים בשנת הלימודים 2019/2020 במוסדות להשכלה גבוהה