السّتّ صالحة خير كمال

السّتّ المرحومة صالحة خير كمال، وتُدعى “حبوس” أيضًا؛ من الشّخصيّات النّسائيّة البارزة في تاريخ الطّائفة الدّرزيّة الدّينيّ والاجتماعيّ في بلاد الشّآم. عُرفت هذه السّيّدة الجليلة بتقواها وصبرها وسخائها. كانت نموذجًا للمرأة الصّالحة المتفانية في العبادة، المتمسّكة بالمبادئ الإيمانيّة، والمكرَّسة لخدمة مجتمعها وإرشاده. إضافةً إلى زهدها وورعها، امتازت بالبصيرة النّافذة؛ إذ امتلكت قدرات روحانيّة مكّنتها من إدراك أمور غيبيّة تحقّقت فيما بعد، وهو ما جعلها موضع احترام وإجلال بين أتباع المذهب التّوحيديّ.

وُلدت السّتّ صالحة في بلدة ميمس الواقعة في قضاء حاصبيّا، جنوب لبنان، وهي تُعدّ من البلدات العريقة الّتي احتضنت العديد من الشّخصيّات الرّوحانيّة البارزة في التّراث التّوحيديّ. أُصيبت في طفولتها بمرض الجدريّ ففقدت البصر ولم تتجاوز الرّابعة من عمرها. غير إنّ فقدانها البصر لم يكن عائقًا أمام قدراتها الذّهنيّة والرّوحانيّة، لكنّها ازدادت بصيرةً نافذة، وفهمًا عميقًا لما حولها، وقدرةً خاصّة على استشراف المستقبل. ويروي أهل ميمس أنّها امتلكت إدراكًا غير عاديّ مكّنها من فهم الأمور بطريقة تفوق حدود المعرفة التّقليديّة.

في عام 1838 م.، اجتاح إبراهيم باشا المصريّ منطقة وادي التّيم، حيث دارت معارك بين قوّاته وقوّات الدّروز بقيادة شبلي العريان[1]. وأمام شراسة الهجوم العسكريّ، اضطر غالبيّة سكّان ميمس إلى مغادرتها والنّزوح إلى مناطق أُخرى أكثر أمانًا، لكنّ السّتّ صالحة، بإيمانها العميق وصبرها، بقيت في قريتها إلى جانب الشّيخ أبي قاسم محمود مطاوع وامرأة أُخرى من آل حاطوم.

مع قسوة الظّروف المحيطة بها، لم تشعر بالخوف، بل ظلّت ثابتة، رافضةً مغادرة بيتها. كانت تؤمن بأنّ حماية الله لها أقوى من أيّ خطر بشريّ. ولم تقتصر شجاعتها على بقائها في ميمس، إنّما تعدّتها إلى مواقفها الجريئة الّتي برهنت على حكمتها وثقتها بربها.

ومن الرّوايات الّتي تناقلها النّاس بالتّواتر عن السّلف، وتُعدّ من أبرز الحوادث الّتي تسلّط الضّوء على مكانة السّتّ صالحة، قصّتها مع الجنديّ اليونانيّ الّذي صادفها خلال انتشار قوّات إبراهيم باشا في المنطقة. يُقال إنّ هذا الجنديّ الّذي كان يتحدّث اللّغة اليونانيّة تفاجأ حين وجد أمامه امرأة درزيّة كفيفة تخاطبه بلغته بطلاقة، وهو ما أثار دهشته. خلال الحوار الّذي دار بينهما، سألته السّتّ صالحة عن البعض من الرّموز الواردة في الآيات المُحكمة الّتي تعدّ من أسرار العقيدة التّوحيديّة، ولمّا أجابها أدركت أنّه ينتمي إلى الموحّدين في بلاد اليونان. وبسبب احترامه العميق لها وتقديره لمكانتها الرّوحانيّة، أهداها كتابًا نادرًا مرسلًا إلى بلاد اليونان، وهو كتاب جليل الشّأن.

امتلكت السّتّ صالحة بصيرة ثاقبة ورؤية استباقيّة للأحداث، وقد نُسبت إليها عدّة مُكاشفات غيبيّة تحقّقت، كما يروى، في أزمنة لاحقة. ومن أشهر أقوالها الّتي تداولها المعمَّرون في ميمس: “ستصبح المياه تجري في الجدران، والإضاءة تأتي من الأسلاك، وسيظهر أشخاص يرتدون ملابس تشبه الضّفادع، وسيتّجه الغربال إلى مصر”. والمتأمّل في هذا القول يجد أنّه تحقّق فعلًا؛ فالمياه الّتي تجري في الجدران إشارة إلى تمديد أنابيب المياه داخل المباني الحديثة، والإضاءة الّتي تأتي من الأسلاك نبوءة واضحة عن ظهور الكهرباء واستخدامها في الإضاءة، والملابس الّتي تشبه الضّفادع فيمكن تفسيرها بظهور الملابس العسكريّة الحديثة أو الأزياء الأجنبيّة الّتي انتشرت في المنطقة، أمّا الغربال الّذي يتّجه إلى مصر فقد يكون إشارة إلى هجرة البعض من العائلات الدّرزيّة إلى مصر خلال فترات تاريخيّة معيّنة، أو إلى انتقال البعض من الزّعامات والتّأثيرات من بلاد الشّآم إلى مصر.

لقد عاشت السّتّ صالحة حياتها في عبادة الله، متحمّلةً فقدان بصرها بصبر وإيمان واحتساب. كانت تُعرف بتديّنها الشّديد، ومعرفتها الواسعة بالتّعاليم الدّينيّة، إلى جانب إتقانها اللّغة اليونانيّة، مع أنّها لم تتلقّ أيّ تعليم رسميّ. توفّيت في النّصف الأوّل من القرن الميلاديّ التّاسع عشر، تاركةً إرثًا روحانيًّا غنيًّا؛ إذ أصبحت قصصها ومكاشفاتها جزءًا من التّراث التّوحيديّ-الدّرزيّ المتناقَل بين الأجيال. وقد كُرّمت المرحومة بعد وفاتها بتشييد مقام خاصّ بها في الحارة التّحتا من ميمس، حيث تحوّل ضريحها إلى مزار دينيّ يقصده المؤمنون. يتكوّن المبنى من عدّة غرف، منها غرفة الضّريح الّتي تعلوها قبّة بيضاء، وقاعات مجاورة تستقبل الزّوّار.

تعلّمنا سيرة المرحومة السّتّ صالحة أنّ المرأة في مجتمع التّوحيد الدّرزيّ، وإن كانت قليلة العدد بين الشّخصيّات الرّوحانيّة، فقد نالت، في كثير من الحالات، مكانة روحانيّة واجتماعيّة عالية، تُحاكي مكانة المشايخ وأولياء الطّائفة. فحضورها في الميدان الدّينيّ لم يكن مشروطًا بتعليم رسميّ أو بمنصب دينيّ، بل بمقدار تقواها ومعرفتها وتفانيها في العبادة. مكانة السّتّ صالحة بين أبناء مجتمعها، والاحترام الّذي حظيت به، وإقامة مقام لها بعد وفاتها، كلّها مؤشّرات على أنّ المرأة قادرة، في الإطار التّوحيديّ-الدّرزيّ، على بلوغ درجات من الإجلال والتّقدير، إذا ما توفّرت لها المؤهّلات الرّوحانيّة والخلقيّة. بذلك، تعكس قصّتها نموذجًا عن إمكان ارتقاء المرأة إلى مكانة رفيعة في مجتمع محافظ يحترمها ويجلّها، متى ما جمعت بين الورع والبصيرة والخدمة المجتمعيّة.

_______________________________________

[1] شبلي العريان كان من كبار القادة الدّروز في التّاريخ، أصله من وادي التّيم، قاد القتال في الثّورة الدّرزيّة ضدّ حُكم إبراهيم باشا، عام 1838 م.، وكان بين القادة في جبل لبنان خلال الحروب الأهليّة الّتي دارت رحاها عامَي 1842-1860 م.

***

للاستزادة والتّوسُّع:

  1. العريضي، فرحان سعيد. مناقب الأعيان. عاليه: مدرسة الإشراق، ج. 4، 2018.

 

מבט על

הדרוזים בישראל

ההתיישבות הדרוזית בישראל נחשבת לשלישית בגודלה, מבחינת מספר התושבים, בעולם כולו. הדרוזים בישראל (בני דת הייחוד) מהווים עדה דתית מגובשת, המונה כ- 147 אלף בני אדם, שפתם הינה ערבית ותרבותם ערבית-ייחודית (מונותאיסטית). הדת הדרוזית מוכרת באופן רשמי, על ידי מדינת ישראל, מאז שנת 1957 כישות אחת בעלת בתי משפט והנהגה רוחנית משלה. הדרוזים בישראל חיים כיום בתוך עשרים ושניים כפרים הנפרשים בגליל, בכרמל וברמת הגולן. שני היישובים הדרוזים הגדולים ביותר מבחינת מספר תושבים הם ירכא (16.9 אלף תושבים) ודלית אל-כרמל (17.1 אלף תושבים).

0 K

דרוזים בישראל

0 +

תושבים בדאלית אלכרמל, היישוב הכי גדול בישראל

0

סטודנטים דרוזים בשנת הלימודים 2019/2020 במוסדות להשכלה גבוהה