يُعدّ الشّيخ جابر الحلبيّ من كبار علماء الدّين في مدينة حلب السّوريّة، خلال العهد العثمانيّ، ومن أبرز أعلامها في الفقه والتّوحيد. وُلد في قرية معرّة الإخوان، الواقعة شمال إدلب، وشبّ على طلب العِلم والدّرس والمطالعة منذ نعومة أظفاره، حتّى ذاع صيته وبلغ من التّقوى والعِلم منزلة رفيعة، عُرف معها بأنّه من أتقى الأتقياء وأعلم العلماء، كما وصفه معاصروه.
عُرف الشّيخ جابر بلقب “مُفتي الدّيار الحلبيّة”، وقد تولّى هذا المنصب فعلًا بإجماع العلماء وموافقة الوالي العثمانيّ، في حلب، الّذي أُعجب بسِعة عِلمه وفقهه وبلاغته ونقاء سريرته. وهو لقب لم يُمنح آنذاك إلّا لمن بلغ مقامًا عظيمًا في العِلم والدّين، حتّى وُصف بأنّه مفتي الإسلام في حلب، في المدينة وفي أنظار من قصدها من العلماء والطّلّاب، على حدٍّ سواء.
لم يُحدَّد تاريخ ولادته بدقّة، غير إنّ وفاته تأكّدت عام 1641 م. (1051هـ.)؛ أي: بعد خمسة وستّين يومًا من وفاة صديقه، العالِم الشّيخ محمّد أبي هلال المعروف بـِ-“الشّيخ الفاضل”. وقد رثاه حينها ببيتين من الشّعر، جاء فيهما:
“كنتَ السّوادَ لناظري فبكى عليك النّاظرُ
من شاءَ بعدَك فليمُتْ فعليك كنتُ أُحاذِرُ”
تميّز الشّيخ جابر بالزّهد والورع والجرأة في الحقّ؛ إذ لم يكن يخشى في الله لومةَ لائم، ولا يطلب جزاءً على عِلمه، لكنّه كان ينسب أمره كلّه إلى الله تعالى. وكان معروفًا بصفاء القلب ونقاء المعاملة، حتّى وصفه مريدوه بأنّه “لا يعرف حقدًا ولا غِلًّا، ولا صدرت منه إساءة قطّ”، وقد جذب النّاس إليه بصِدقه، وأُنسه، وعفّته، وزهده في الدّنيا، وحرصه على طهارة النّفس وتمسّكه بفضائل الرّوح.
سلوكه كان مضرب المثل، في وقته، يسعى الجميع إلى رضاه، كأنّ في رضاه رضا الله، وقد عُرف بكثرة خلواته واشتغاله بالتّأمّل، والانصراف إلى العبادة والقراءة والتّبحّر في الحكمة والفلسفة، حتّى قيل إنّه “درس الحكمة حتّى غيّبها، وقرأ العلماء والفلاسفة حتّى رسخت تعاليمهم فيه”.
مكانته العلميّة، مناظراته وكراماته
حاز الشّيخ جابر الحلبيّ منزلةً علميّةً رفيعةً في زمنه، فكان عالِمًا متبحّرًا في التّوحيد، فقيهًا في الدّيانات، قارئًا متعمّقًا للقرآن الكريم. وقد جمع، إلى جانب علوم الشّرع، والفِقه فهمًا راسخًا في الفلسفة والحكمة. هذه المنظومة المعرفيّة الشّاملة مكّنته من أن يكون مرجعًا دينيًّا وعقليًّا في حلب ومحيطها، يقصده طلّاب العِلم والعامّة على حدٍّ سواء.
وقد تكرّس موقعه هذا من خلال مناظرات علميّة شهيرة، أبرزها تلك الّتي وقعت في الجامع الكبير، في حلب، حيث اجتمع أئمّة وعلماء من مصر والعراق وبلاد الشّام لطرح أسئلة معقّدة عليه. أجاب عن جميعها بدقّة وفصاحة، ثمّ طرح سؤالًا واحدًا عجز الحاضرون عن الإجابة عنه، ليُظهر تفوّقه العلميّ وهيبته بين أهل العِلم. ومع ذلك، أبى أن يُنتقص من كرامة أحد، وقال للنّاس: “لا تنزعوا العمائم عن رؤوس العلماء”، احترامًا لمقامهم.
وللشّيخ جابر كرامات تناقلتها الألسُن، عكست ما نُسب إليه من صلاح وتقوى، ومن أشهرها انفكاك القيود، ونور وجهه الّذي كان يُرى في الظّلام، كما ورَد في الأبيات المنقوشة فوق باب مدفنه:
“فخرُ دينٍ وراشدٌ ذو اعتصام من كراماته انفكاكُ القيود
نورُه لاحَ في ظلامِ ليالٍ لعيونِ القريب مثل البعيد
ولهذا التّاريخ في أواخره وضبطنا بحمدٍ موجود”
وقد عُرف عنه أنه كان قاضيًا يحكم بالعدل، لا يتبع الهوى، ولا ينطق إلّا بوحي ضميره وفتوى دينه. وقد أثّر هذا النهج العادل والرّصين في شيوع الاحترام له بين العلماء والأهالي، حتّى غدا اسمه مقرونًا بالورع والحكمة معًا.
مقامه
يقع مقام الشّيخ جابر الحلبيّ في قريته الأصليّة، معارة الإخوان، التّابعة لمحافظة إدلب، وقد تحوّل مع الزّمن إلى معلَم دينيّ وتاريخيّ بارز، يرتاده الزّوّار من شتّى المناطق السّوريّة، طلبًا للتّبرّك، ووفاءً لسيرة صاحبه الطّاهرة.
بعد وفاته، عام 1641 م. (1051 هـ.)، أمرت السّلطنة العثمانيّة ببناء قبّة ومحراب فوق قبره، وكان ذلك في عهد السّلطان إبراهيم خان الأوّل. تميّزت القبّة بكونها مكسوّة بطبقة من الرّصاص، وهو تفصيل معماريّ نادر في القبور العثمانيّة، يُشير إلى التّبجيل الرّسميّ لمكانة الشّيخ. وقد دُفن إلى جانبه ابنه، سليم، كما سبقته إلى دار البقاء ابنته، صالحة، الّتي توفيت قبل وفاته بعشر سنوات تقريبًا، في نحو عام 1631 م. (1041 هـ.).
زُيِّن مدخل الضّريح بأبيات من الشّعر المنقوش، خُصَّت بتخليد سيرته وكراماته، منها ما يؤكّد النّور الّذي شُوهد على وجهه، ومنها ما يدلّ على سِعة عِلمه وتقواه. ومع مرور الزّمن، بقي المقام مقصدًا للزّوّار، يضيئون فيه الشّموع، ويتلون الفاتحة، ويستحضرون صفاته من عِلم، وورع، وزهد. وقد حافظ أهالي المنطقة على هذا الإرث، فغدا المقام واحدًا من أهم المعالم الرّوحانيّة في شمال سورية، وشاهدًا على تداخُل الرّمزيّة الدّينيّة بالذّاكرة الشّعبيّة.
وفاته
رحل الشّيخ جابر الحلبيّ عام 1641 م. (1051 هـ.)، في قرية معارة الإخوان، بعد مرور خمسة وستّين يومًا فقط على وفاة صديقه، العالِم الشّيخ محمّد أبي هلال، المعروف بـالشّيخ الفاضل. وقد كانت وفاته خسارة فادحة للوسطَين الدّينيّ والعلميّ في حلب ومحيطها، لِما مثّله من مرجعيّة روحانيّة وعقلانيّة، ولِما امتاز به من عِلم وزهد واعتدال.
تأثّر المجتمع الحلبيّ برحيله، وأُقيم له تأبين واسع النّطاق شارك فيه علماء ووجهاء من شتّى أنحاء البلاد. وقد بادر عدد من معاصريه إلى رثائه شعرًا ونثرًا، تقديرًا لمكانته. ومن أبرز ما قيل في رثائه، ما نظمه الشّيخ أحمد ابن الشّيخ شرف الدّين، من قرية باتنته، وهو نصّ نثريّ مُسجَّع جليل جاء في مقدّمته:
“أرثي النّدبَ الهُمام، والأسدَ الضّرغام، وسليلَ الكرام، ومفتي الإسلام، وقدوةَ العلماء والأعيان، وفريدَ العصر والزّمان، ومفيدَ الأقران، ومجوّدَ القرآن، ومكرِمَ الضّيفان، وباذلَ الإحسان، ومن سارت باسمه الرّكبان في كلّ موضع ومكان…”.
وتتالت أبيات الرّثاء الّتي عبّرت عن عمق الحزن لفقده، منها:
“دهينا به يا عظمَ فاجعةٍ أتت على غفلةٍ أثقلَت علينا من الصّخر
فقدنا رئيسًا فاضلًا حائزَ العُلا وحيدًا فريدًا لا يُمثَّل في الدّهر
تقيًّا نقيًّا، أروعيًّا مهذّبًا شجاعًا مطاعًا، وصفُه جلَّ عن حصر
أديبًا لبيبًا، عالمًا متفضّلًا فصيحًا رجيحًا، ساد بالنّهي والأمر”
لقد ترك الشّيخ جابر، بعد وفاته، فراغًا دينيًّا وعلميًّا عميقًا، واستمرّ النّاس في زيارة مقامه والتّبرّك به حتّى يومنا هذا، وهذا من علامات الوفاء الشّعبيّ لشخصيّة جمعت العِلم بالتّقوى، والصّرامة بالحكمة، والحضور الدّينيّ بالتّأثير الاجتماعيّ والثّقافيّ.
***
للتّوسّع والاستزادة:
- العريضي، فرحان. مناقب الأعيان. عاليه: مدرسة الإشراق، ج. 1، د. ت..
- عاصي، أحمد. “مقام الشّيخ جابر الحلبي مفتي الدّيار الحلبيّة”. eSyria. 22 أبريل 2009. تاريخ الاطّلاع: 27 أغسطس 2025. رابط.