الشّيخ سلمان نصر السّعد (1874-1968 م.)، أبو يوسف؛ من كبار رجال الدّين في طائفة الموحّدين الدّروز في إسرائيل، خلال النّصف الأوّل من القرن الميلاديّ العشرين. اشتهر بعلمه العميق، وفصاحته، وصلابته في الحقّ، ومكانته الرّفيعة بين المشايخ.
وُلد في مدينة شفاعمرو، ونشأ في بيت متديّن تحكُمه التّقوى ويسوده الورع؛ إذ تشبّع منذ صغره بقيم التّوحيد والأخلاق الرّفيعة. منذ نعومة أظفاره أبدى اهتمامًا شديدًا بالعلوم الدّينيّة، فانطلق في رحلة علميّة نحو خلوات البيّاضة في لبنان، حيث درس التّعاليم التّوحيديّة على أيدي كبار المشايخ. وكان من زملائه في الدّراسة فضيلة الشّيخ أبي يوسف أمين طريف، رضي الله عنه. هناك، أتمّ الشّيخ سلمان واجباته الدّينيّة، وحفظ المعلوم الشّريف وشروحاته، حتّى نال اعترافًا واسعًا بفضله وعلمه، فأنعم عليه مشايخ البيّاضة بالعمامة المكوّرة (المكلوسة) الّتي تُعدّ أرفع “وسام” دينيّ، تقديرًا لمكانته السّامية في علوم التّوحيد.
بعد عودته إلى البلاد، واصل الشّيخ سلمان مسيرته العلميّة والرّوحانيّة، واشتهر بمطالعته المستمرّة للكتاب، فقد كان يراجع النّصوص باستمرار، محاطًا بمجموعة من المشايخ الّذين كانوا يقرؤونها معه، في حين كان هو يشرحها ويفسّر معانيها بعمق ودقّة عالية. عُرف عنه الصّرامة والانضباط في نهجه؛ إذ كان شديدًا على نفسه قبل غيره، فلم يكن يتهاون في إحقاق الحقّ وإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه.
تكوينه الدّينيّ والمعرفيّ
منذ صغره أبدى الشّيخ سلمان اهتمامًا عميقًا بالعلوم الدّينيّة، فانكبّ على دراسة الكتب التّوحيديّة، وتعمّق في أصول الدّين وشروحاته. دفعه شغفه إلى التّوجّه نحو خلوات البيّاضة الزّاهرة في بلدة حاصبيّا، جنوب لبنان، حيث تلقّى تعليمه الدّينيّ على يد كبار مشايخ التّوحيد. وخلال سنوات دراسته هناك، اكتسب مكانة مرموقة، وأقام علاقات متينة مع مشايخ البيّاضة ومناطق الشّوف وجبل لبنان، بالإضافة إلى جبل الدّروز في سورية.
مكانته الدّينيّة والاجتماعيّة
تميّز الشّيخ سلمان نصر السّعد، بشهادة كبار رجالات الدّين، بذكاء حادّ وفصاحةٍ لافتة، وكان جريئًا في طرح آرائه فكسب احترامًا واسعًا في الأوساط الدّينيّة والاجتماعيّة. ذاع صيته، وأصبح مقصَدًا للأهالي من مختلف الطّوائف لحلّ النّزاعات والمشكلات المستعصية، حتّى أنّ جزءًا من القضايا الّتي عجزت السُّلطات عن حسمها كانت تُحلّ بحكمته ورأيه السّديد.
نظير مكانته الرّفيعة لجأ إليه العديد من المسؤولين والشّخصيّات لاستشارته في المسائل المصيريّة، ومن بينهم سماحة الشّيخ أبي يوسف أمين طريف، رضي الله عنه، الرّئيس الرّوحيّ السّابق للطّائفة المعروفيّة، فضلًا عن شخصيّات سياسيّة وإداريّة بارزة، مثل: رؤساء المجالس والمخاتير.
في أواخر عام 1936 م.، رافق الشّيخ سلمان فضيلة الشّيخ أمين طريف، رحمهما الله، في زيارة إلى لبنان، حيث حظي بتكريم خاصّ من كبار مشايخ البيّاضة الأجلّاء الّذين ألبسوه العمامة المكوّرة، وهي أرفع “وسام” ديني يُمنح للشّيخ الموحّد الدّرزيّ، تعبيرًا عن منزلته العلميّة والرّوحانيّة الرّفيعة. عند عودته إلى البلاد قوبِل باستقبال حافل، واستمر في أداء رسالته الدّينيّة والاجتماعيّة.
ولم يقتصر تأثير الشّيخ سلمان على المجال الدّينيّ، لكنّه امتدّ إلى الشّؤون العامّة؛ إذ اضطلع بدور محوريّ في قضايا الأراضي والتّسوية العقاريّة. فقد كان عضوًا في لجنة المساحة والتّسوية، خلال فترة الانتداب البريطانيّ، في ثلاثينيّات القرن الميلاديّ العشرين، وأسهم في تسجيل الأراضي في السّجلّات الرّسميّة (الطّابو).
وفي مرحلةٍ حسّاسة من تاريخ شفاعمرو، كان الشّيخ سلمان عضوًا في اللّجنة القوميّة العربيّة الّتي تولّت قيادة المدينة في أعقاب انهيار الحكم البريطانيّ. وخلال تلك الفترة، اجتمعت اللّجنة وناشدت قيادة المنطقة في النّاصرة بإرسال قوّة عسكريّة لحفظ الأمن، بعد انسحاب قوّات شكيب وهّاب من المدينة.
ظلّ الشّيخ سلمان مثالًا للوقار والهيبة، وكان لسِمته ومسلكه أثرٌ عميق في نفوس معاصريه. ومع تقدّمه في السّنّ، ازدادت مكانته الرّوحانيّة رسوخًا، وعاش في طاعة وتقوى متحلّيًا بالصّبر والقناعة طوال حياته.
وفاته وإرثه
في التّاسع عشر من كانون ثانٍ 1968 م.، انتقل الشّيخ سلمان نصر السّعد إلى جوار ربّه، وأقيم له محفل تأبينيّ مهيب حضره كبار رجال الدّين من مختلف المناطق، وعلى رأسهم فضيلة الشّيخ المرحوم أمين طريف الّذي كان زميله في مسيرته العلميّة في خلوات البيّاضة الشّريفة، وقال في رثائه: “لقد شاء القدر ونفذ عدل الله الجاري بوفاة علم الدّين والدّنيا الزّاهد والقطب العماد الجليل الطّاهر النّقيّ الدّيّان الفاضل والعارف والعالم العامل…”. كما رثاه رئيس بلديّة شفا عمرو، الرّاحل السّيّد جبّور جبّور، قائلًا: “وليست تلك العمامة بمثل هذه العمامات”.
دُفن المرحوم الشّيخ سلمان نصر السّعد في مدخل بيته، في شفاعمرو، ونُقش على شاهد الضّريح:
“هو الباقي
بسم الله الرّحمن الرّحيم
هذا تاريخ وفاة المرحوم المغفور له العالم العامل التّقيّ الورع الطّاهر الشّيخ أبي يوسف سلمان نصر تغمّده الله برحمته صباح الجمعة 19 كانون الثّاني سنة 1968 م.”.
***
للاستزادة والتّوسُّع:
- ناطور، سميح. العمامة المكوّرة: تاريخها وسير معتمريها. “المرحوم الشّيخ أبو يوسف سلمان نصر”، د. م.: د. ن، 2007. رابط.