الشّيخ المرحوم صالح حسن خنيفس؛ من وُجهاء طائفة الموحّدين الدّروز المعروفين في زمانه، والمشهورين في جاهات الصُّلح من أجل خير المجتمع وصَلاحه، في المستوى القُطريّ.
وُلد في شفاعمرو في الأوّل من آذار عام 1913 م. وترعرع فيها، ودرس في مدرسة القرية الابتدائيّة، آنذاك، ثمّ شبّ فقصد خلوات البيّاضة الشّريفة، في حاصبيّا، في سنوات الثّلاثين من القرن الماضي، ومكث يدرس العلوم الدّينيّة فيها حتّى عام 1939، حين وقعت حادثة اغتيال والده، الشّيخ المرحوم أبي صالح حسن خنيفس، الّذي كان من أعيان القرية، في حينه، والّذي قُتل غدرًا بِيد الثّوّار، في غرّة كانون ثانٍ من عام 1939 م.،[1] عندها عاد الشّيخ صالح إلى بلده، شفاعمرو، وشكّلت هذه الحادثة المأساويّة تحوُّلًا جذريًّا في حياته.
لقد أدّى اغتيال الشّيخ أبي صالح حسن خنيفس إلى حدوث مناوشات طائفيّة في شفاعمرو، ويحكي لنا المرحوم الشّاعر الشّعبيّ الشّيخ أبو شفيق سلمان ماضي (1888-1973م.)، الّذي رافق الوفد المذكور مدّة مكوثه في البلاد واستضافه في بيته في القرية، في مذكّراته فيقول: إنّ الأمور تأزّمت، في تلك الفترة، على إثر حادثة الاغتيال، وأُلقي اثنا عشر شخصًا من دروز شفاعمرو، بعد اختطافهم، في بئر مهجورة في منطقة وعريّة قُرب قرية كوكب أبو الهيجاء، وحُكم بالموت على 18 شخصًا من قِبل الهيئة العربيّة العليا في الشّام.
في أوج تلك الأحداث الدّامية عرض آبا حوشي، بعد أن وطّد علاقته بالشّيخ صالح خنيفس وبعضٍ من دروز القرية، آنذاك، المساعدة في حثّ السُّلطات البريطانيّة على التّدخُّل لوقف الاعتداءات الجارية ضدّ الدّروز ومعاقبة المعتدين، فشكره دروز شفاعمرو في رسالة من تاريخ في 4 أيلول 1939 م.، على إمداده يد المساعدة. غير أنّ مساعي الصُّلح تلك كلّها باءت بالفشل، فخرج وفد من مشايخ شفاعمرو كان بين أعضائه: صالح محمّد طربيه، سلمان نصر، سليمان عليّان وحسن عليّان، إلى لبنان وسورية، حاملين رسائل تشكو إلى زعماء الدّروز التّعدّيات الحاصلة في بلدهم، وبعد عودتهم رفعوا تقريرًا بزيارتهم تلك لآبا حوشي. ثمّ أخذ هذا الاحتقان الطّائفيّ أبعادًا خطرة؛ إذ ألقت السّلطات البريطانيّة القبض على ستّة أشخاص بتهمة قتل دروز من شفاعمرو وتعذيبهم، وكان ذلك على الأرجح في نهاية أيلول 1939، وفي 20 تشرين أوّل 1939 حُكم على هؤلاء بالإعدام، فاستعرت نيران الطّائفيّة أكثر في القرية، ما حثّ على تشكُّل لجان صُلح مشتركة لاحتواء الموقف، تكوّنت من وجهاء مسيحيّين ومسلمين ودروز، وسعت إلى وقف حكم الإعدام وإرسال برقيّات استرحام إلى السّلطات من أجل تخفيف الحُكم. وبينما كان وجهاء الطّوائف يحاولون، بمباركة بريطانيّة، الوصول إلى صيغة صُلح ترضي الطّرفين المتنازعين، طلب البريطانيّون من الفرنسيّون إرسال وفد من دروز سورية ولبنان لينضمّوا إلى لجان الصّلح الملتئمة فيسعوا سعيهم، وجاءت الاستجابة. قدِم الوفد من الجبل، يوم الأحد، 31 كانون أوّل عام 1939م.، يرأسه عبد الغفّار باشا الأطرش، وكان أعضاؤه القائد زيد بِك الأطرش، شقيق سلطان باشا، والقائد حمزة بِك درويش، والشّيخ جبر مراد الصّفديّ، وأسعد بِك كنج أبو صالح، وسلامة نجم وهاني أبو راس، واستقبلهم فضيلة سيّدنا الشّيخ المرحوم أمين طريف وبعضٍ من المشايخ، وبدأت المباحثات مع الوفود المحلّيّة.[2]
ثمّ تدخّلت الحكومة البريطانيّة وتبرّعت بدفع مبلغ 250 ليرة لتكون ديّة المغدور، إلّا أنّ الشّيخ صالح خنيفس رفض العرض قائلًا: “لا أقبل الصّلح إلّا بعد أن يدفع مُسلمو شفاعمرو الدّيّة”. فتبرّع زيد بِك الأطرش بمبلغ 250 ليرة أُخرى، فرفض الشّيخ صالح العرض مجدّدًا. ويقول الشّيخ سلمان ماضي: “فقمتُ وقلتُ: بما أنّ المرحوم شيخ دين، ينبغي أن تكون ديّته ضعفين؛ أي يُدفع نصفها الآن وتُعقد راية الصُّلح، ثمّ يتعهّد وفد فلسطين أن يحقّق ليكشف هويّة القاتل، وعندها يدفع أهالي شفاعمرو بقيّة الدّيّة”. عندها قبل الشّيخ صالح خنيفس العرض ثمّ عرض الاقتراح على الاجتماع العامّ الّذي عُقد في شفاعمرو بحضور الوفديْن وشخصيّات الحكومة البريطانيّة. [3]
وأخيرًا، بعد 14 يومًا من مكوث وفد جبل الدّروز في البلاد، عُقدت راية الصُّلح في الرابع عشر من كانون ثانٍ عام 1940 م.، وفي اليوم التّالي جرى احتفال مهيب شهدته ساحة شفاعمرو، آنذاك، عُرف باسم “صُلحة شفاعمرو الكُبرى”، وحضره ممثّلون عن السّلطات البريطانيّة وآلاف من دروز ومُسلمي فلسطين. وتمّت الموافقة على اتّفاق وقّعه الشّيخ أسعد قدّورة، رئيس لجنة الصُّلح الفلسطينيّة، وعبد الغفّار باشا الأطرش، رئيس الوفد الدّرزيّ، وأعضاء وفده، جاء فيه النَّصّ التّالي:
“بتاريخه قد تمّ الرّضا والاتّفاق العشائريّ فيما بين الطّائفتين السّنّيّة والدّرزيّة بقرية شفاعمرو بحضور سعادة حاكم اللّواء الشّماليّ بحيفا وفخامة الجنرال قائد الجيوش البريطانيّة بفلسطين ووفد لجنة صلح جبل الدّروز ولجنة الصّلح الفلسطينيّة، المدوّنة أسماء جميعهم أدناه، على إتمام الصّلح عن كافّة الدّموم الّتي وقعت سابقًا فيما بينهم وقد عُقدت الرّايات على ذلك”.[4]
ثمّ إنّ الشّيخ صالح خنيفس كان واحدًا من مؤسّسي الجمعيّة الخيريّة لإغاثة الفقير الدّرزيّ الّتي أُقيمت في حيفا عام 1944 م. بمبادرة من شخصيّات درزيّة لبنانيّة مرموقة عملت في حيفا، وبالاشتراك مع شخصيّات درزيّة محلّيّة ذات مناصب حكوميّة. وكان مؤسّسو هذه الجمعيّة الدّكتور الطّبيب نايف حمزة، مدير المستشفى الحكوميّ في حيفا، والدّكتور يوسف يحيى، والقاضي حسين عبد الصّمد، والشّيخ صالح خنيفس، والأستاذ مزيد حسن صالح وغيرهم. وكان هدف الجمعيّة المُعلَن مساعدة المحتاجين، وتشجيع النّشاطات الاجتماعيّة بين أعضائها، وتنظيم اجتماعات ومحاضرات في القرى الدّرزيّة، ومساعدة أبناء الطّائفة الدّرزيّة في مجالات مختلفة، وتقريب وجهات النّظر بين أبناء الطّائفة، ومساعدة المهاجرين الدّروز الّذين أتوا فلسطين من أجل العمل وغير ذلك.[5]
عُيّن الشّيخ صالح خنيفس في “لجنة الدّروز العليا” الّتي أنشأتها الحكومة عام 1949 م.، وبعد ذلك بعامين انتُخب عضوًا للكنيست عن “قائمة التّقدّم والعمل” المتحالفة مع “ماباي” (الحزب الحاكم آنذاك) وانتُخب مجدّدًا عام 1955 م..
في عام 1953 م. أصدر رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ أمرًا بتجنيد أبناء الطّائفة الدّرزيّة الّذين لم ينضمّوا بعد إلى وحدات الجيش الإسرائيليّ، وذلك بغرض تدريبهم وإدماجهم في وحدات الاحتياط المعروفة بِاسم “مجموعة المتطوّعين ب”. وعلى ذلك ازدادت الانقسامات في صفوف الطّائفة الدّرزيّة، وأضافت بُعدًا جديدًا إلى المنافسة على التّمثيل الدّرزيّ في الكنيست الّتي كانت قد بدأت بالبروز في عام 1951 م. وفي هذه الفترة تحديدًا ظهر معسكران: معسكر يرأسه صالح خنيفس وقد ضمّ لبيب أبو ركن من عسفيا، فرحان طريف من جولس، وقفطان حلبي من دالية الكرمل أيضًا؛ وكان على رأس المعسكر الثّاني جبر داهش معدّي من قرية يركا، وكان فضيلة الشّيخ المرحوم أمين طريف، الرّئيس الرّوحيّ للطّائفة الدّرزيّة، من مؤيّديه، وكذلك سلمان طريف ونجيب منصور من عسفيا. لم يكن هذا الانقسام متمحورًا حول مسألة التّجنيد، غير أنّ ممثّلي المعسكرَيْن المتضادّين المذكورَيْن اتّخذوا موقفَيْن متضادّين أيضًا تُجاه مسألة التّجنيد؛ إذ كان الشّيخ صالح خنيفس مؤيّدًا للتّجنيد، في حين كان الشّيخ طريف معارضًا له.[6]
وفي انتخابات الكنيست الرّابعة لم يقبل الشّيخ صالح خنيفس ما رأى فيه معاملة غير منصفة كان يتعرّض لها، فلم يرد اسمه في قوائم “ماباي” العربيّة، ما جعله يقرّر دخول الانتخابات من خلال قائمة مستقلّة. فما كان من جويل ليفتزكي، مسؤول الحُكم العسكريّ في المنطقة الشّماليّة، إلّا أنّ فرض على الشّيخ صالح ضريبة ضخمة لم يقدر على دفعها، نتيجةً لذلك صدر أمر قضائيّ بالحجز على قطعانه. وقد خاض الشّيخ صالح انتخابات الكنيست مرّات عديدة في قائمة مستقلّة، لكنّ نسبة الحسم لم تُسعفه.[7]
وبعد فترة من الزّمان اعتزل الشّيخ صالح الحياة السّياسية وترأّس لجنة الصُّلح العشائريّ في البلاد، وأجرى مئات وثائق الصُّلح بين متخاصمين فحقن بذلك دماء كثيرة. على مدى عشرات السّنين كان الشّيخ صالح خنيفس رمزًا من رموز السِّلم الأهليّ في المجتمع العربيّ وعضوًا مؤسّسًا للجنة الصُّلح القطريّة. وافته المنيّة في السّادس عشر من آذار عام 2002 م.، وبعد وفاته قرّرت بلديّة مدينة شفاعمرو إطلاق اسمه على المدرسة الشّاملة في المدينة.[8]
____________________________________________
[1] كذلك اغتيل معه الشّيخ حسين شاهين والشّيخ عبد الله شوفانيّة.
[2] قيس ماضي فرّو، دروز في زمن الغفلة (بيروت/ رام الله: مؤسّسة الدّراسات الفلسطينيّة، 2019)، ص. 106-112؛ أمل سعد ماضي، “مذكّرات الوفد الدّرزيّ في شفاعمرو”، العمامة 161 (2022).
[3] المصدر السّابق.
[4] فرّو، زمن الغفلة، 2019، ص. 112.
[5] عن د. رجا فرج – دروز فلسطين بتصرف.
[6] أحمد سعدي، الرّقابة الشّاملة: نشأة السّياسات الإسرائيليّة في إدارة السّكّان ومراقبتهم والسّيطرة السّياسيّة تجاه الفلسطينيّين (الظّعاين: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات، 2020)، ص. 154؛ Kais M. Firro, The Druzes in the Jewish State: a brief history (Leiden: Brill,1999) Pp. 114-115.
[7] سعدي، الرّقابة الشّاملة، 2020، ص. 299.
[8] موقع المدرسة الرّسميّ: https://makif-a.org/
***
للاستزادة والتّوسُّع:
- بشير، نبيه. “تشكيل هويّة أقلّيّات متصهينة: الحالة الدّرزيّة في إسرائيل”. قضايا إسرائيليّة 67 (2017)، ص. 76-94.
- سعدي، أحمد. الرّقابة الشّاملة: نشأة السّياسات الإسرائيليّة في إدارة السّكّان ومراقبتهم والسّيطرة السّياسيّة تجاه الفلسطينيّين. الظّعاين: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات، 2020،
- فرج، رجا سعيد. دروز فلسطين في فترة الانتداب البريطانيّ 1918-1948؛ بحث. دالية الكرمل: مطبعة الكلمة، 1991، 114.
- فرّو، قيس ماضي. دروز في زمن الغفلة: من المحراث الفلسطينيّ إلى البندقيّة الإسرائيليّة. بيروت/ رام الله: مؤسّسة الدّراسات الفلسطينيّة، 2019.
- ناطور، سميح. “خنيفس، صالح حسن”،موسوعة التّوحيد الدّرزيّة. سميح ناطور (تحرير)، مج. 2 (2011)، ص. 214-215.
- في موقع الكنيست الرّسميّ: https://main.knesset.gov.il/en/MK/APPS/mk/mk-personal-details/422
- “صالح حسن خنيفس” (2023، نيسان 4) في ويكيبيديا الموسوعة الحرّة: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD_%D8%AD%D8%B3%D9%86_%D8%AE%D9%86%D9%8A%D9%81%D8%B3
- أمل سعد ماضي، “مذكّرات الوفد الدّرزيّ في شفاعمرو”، العمامة 161 (2022): https://al-amama.com/%d9%85%d8%b0%d9%83%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%81%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b1%d8%b2%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b4%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%85%d8%b1%d9%88/
- Firro, Kais M.. The Druzes in the Jewish State: a brief history. Leiden: Brill,1999.