الشّيخ المرحوم أبو حسين محمود فرج (1866-1953 م.)، يُعدّ من الشّخصيّات الدّينيّة البارزة في تاريخ الطّائفة الدّرزيّة في لبنان، خلال النّصف الأوّل من القرن الميلاديّ العشرين. وُلد في بلدة عبيه، في بيئة دينيّة وتقليديّة متجذّرة، نشأ في كنف أُسرة عُرفت بورعها واستقامتها، قريبة من مقام الأمير السّيّد، قدّس الله سرّه، فأسهم ذلك في تشكيل وعيه الرّوحانيّ في سنّ مبكرة. تلقّى تعليمه الأوّل في كُتّاب القرية؛ إذ تعلّم القراءة والكتابة، وهو ما أتاح له لاحقًا الانكباب على دراسة كتب الفضلاء والتّعمّق في سِيَر أهل التّوحيد وأخبارهم.
بدأ الشّيخ أبو حسين محمود فرج مسيرته التّعليميّة في مسقط رأسه، عبيه، حيث أرسله والده إلى المدرسة المحلّيّة ليتلقّى مبادئ التّعليم الأساس، فأتقن القراءة والكتابة، وهو ما مهّد له سُبل التّحصيل الذّاتيّ لاحقًا. ومنذ شبابه، أظهر ميلًا جادًّا للمعرفة، فكان يعمل نهارًا لكسب القوت، ويخصّص لياليه للمطالعة والتّفقّه في علوم الدّين، متّبعًا بذلك سُنّة المشايخ العاملين الّذين جمعوا بين السّعي في الدّنيا والتّزوّد من علوم الآخرة.
مهنته
امتهن الشّيخ أبو حسين محمود فرج حِرفتَي الصّباغة والحياكة؛ إذ تعلّم أصول الصّباغة والنّسيج في بلدة كفرعمي، وأتقن صنع العباءات والبُسط التّقليديّة الّتي عُرفت بجودتها وأناقتها. لم تكن الحِرفة لديه مصدر رزق فحسب، لكنّها كانت وسيلة لتعزيز تواصله مع رجال الدين والمشايخ في لبنان وفلسطين، آنذاك، أيضًا. وقد رافقته هذه الحِرفة في تنقّلاته، فكان يحمل بضاعته ويتنقّل بين القرى، زائرًا المراكز الدّينيّة ومجالس الذِّكر، مستغلًّا كلّ لقاء لتعزيز أواصر الأخوّة الرّوحانيّة.
واجه، في بداية طريقه، صعوبات في الحفظ والتّعلّم، فتغلّب عليها بعزيمة ومثابرة، حتّى أصبح من أهل العِلم والمعرفة. وقد تلقّى علوم الحياكة والصّباغة إلى جانب المسلك التّوحيديّ على يد الشّيخ الجليل أبي حسن يوسف وهبه الّذي ربطته به علاقة وثيقة جمعت بين العمل الدّنيويّ والسّعي الدّينيّ.
وكانت زياراته إلى مناطق الجليل وإقليم فلسطين، آنذاك، تُمثّل محطّات دينيّة وروحانيّة لدى الإخوان، فقد استُقبل بحفاوة وتقدير، خاصّة من علماء خلوات البيّاضة ومشايخ راشيّا وسائر البلاد. ومن محطّاته المعروفة زيارته إلى قرية دالية الكرمل، حين حلّ ضيفًا على صديقه القديم الشّيخ أبي حسين عليّ نصر الدّين الّذي جمعته به مودّة متينة وتقدير متبادل.
استقرّ الشّيخ أبو حسين محمود فرج في عبيه، حيث أسّس خلوة صغيرة مؤلّفة من غرفتَين، شيّدها على قطعة أرض أوقفها له والده، لتكون مركزًا للتّعبّد والتّعليم. وعلى ضيق الحال في بداياته، ساعده اجتهاده في الحياكة والصّباغة في تحسين وضعه الاقتصاديّ تدريجيًا، حتّى بات منزله مقصدًا للعلماء والمريدين، ومركزًا ينبض بالإيمان والمعرفة.
هكذا، تحوّل منزله إلى بيت عِلم وخلوة روحانيّة، يؤمّه أهل الفضل من مختلف المناطق، خاصّةً يوم الجمعة؛ إذ اعتاد أن يجتمع مع إخوانه من المشايخ لتأدية الصّلوات وتلاوة المأثورات، ثمّ ينطلق بعدها إلى زيارات دوريّة لمناطق مختلفة، ناشرًا مبادئ التّوحيد ومحبوبًا بين النّاس لما اتّصف به من دماثة الخلق ونبل السّلوك. وكان يُعرَف بحيويّته في شؤون الدّين والدّنيا، متمثّلًا بالمقولة الّتي طالما ردّدها: “إنّ خير ما يأكل المرء من كسب يده”.
في مطلع حياته الزّوجيّة، اقترن الشّيخ أبو حسين بالسّيّدة زهر، كريمة الشّيخ أبي محمود حسن مْلاعب، غير إنّ هذا الزّواج لم يدم طويلًا؛ إذ لم يتحقّق فيه التّوافق المنشود، فارتأى الشّيخ إنهاء العلاقة بالحسنى، مُوفيًا زوجته كامل حقوقها الشّرعيّة. وفي سنّ الثّلاثين، عقد قرانه على السّيّدة زهيّة، ابنة المرحوم الشّيخ أبي محمّد محمود سلمان فيّاض، من قرية معاصر الشّوف، وهي من بيت عُرف بالتّقوى والورع، وكانت آنذاك في السّابعة عشرة من عمرها. مثّلت هذه الزّوجة خير سند له في مسيرته الدّينيّة والمعيشيّة؛ إذ شاركته أعباء الحياة بحكمة وتدبير. وقد رزقهما الله خمسة أولاد؛ أربع بنات وولد واحد، ربياهم على الاجتهاد، والعمل الدّؤوب، والقيم الأخلاقيّة الرّاسخة.
وسّع الشّيخ أبو حسين محمود فرج من نطاق أعماله، فإلى جانب اشتغاله في حرفة النّسج، انخرط في مشاريع زراعيّة شملت تربية دودة القزّ، وزراعة الزّيتون، وغيرها من الأنشطة الفلّاحيّة. وقد تميّز في إدارته لهذه الأعمال بالدّقّة والإخلاص، فبارك الله له في جهوده، وتحسّنت أحواله المعيشيّة على نحو مطّرد. امتلك أراضي عديدة، أولى إدارتها اهتمامًا بالغًا، وحرص على استثمارها بما يعود بالنّفع عليه وعلى من حوله. وفي موازاة ذلك، حرص على تعليم أولاده، فألحقهم بالمدارس الابتدائيّة، من دون أن يغفل عن تغذيتهم بالمعرفة الدّينيّة والرّوحانيّة، عبر تشجيعهم على مطالعة الكتب التّوحيديّة وأمّهات النّصوص.
حُسن معاملته وعلوّ منزلته
تميّز الشّيخ أبو حسين محمود فرج بزهد في زخارف الدّنيا وبانشغال دائم بتزكية النّفس ومحاسبتها. وكان شديد الورع، مداومًا على المجاهدة والصّبر، يعاني الجوع والسّهر ابتغاء الصّفاء الرّوحانيّ. عُرف بعفوه وتسامحه، وبصدره الرّحب، وابتعاده عن الظّلم والخصومة. كان حسَن الخلق، صادق العهد، وفيًّا بالوعد، كريم النّفس، متواضعًا في الرّضا، صبورًا في الغضب، متحلّيًا برحابة صدر وسِعة فكر. اتّسم بالسّماحة، والرّفق، وسداد الرّأي، ونفاذ البصيرة، فكان مرجعًا موثوقًا لدى الخاصّة والعامّة. أجمعت كلمة السّادة والمشايخ في عصره على تقديره، وأقرّوا له بالفضيلة والمكانة العالية، فصار إمامًا مكرّمًا ومرجعًا روحانيًّا ساميًا في محيطه الدّينيّ والاجتماعيّ.
تتويجه لمشايخ عصره
شكّل الشّيخ أبو حسين ركيزة أساسيّة في الحياة الدّينيّة والرّوحانيّة لمحيطه؛ إذ كان أنيس مجالس الذِّكر، وعطر اللّقاءات التّوحيديّة، ومرجعًا يُؤتمن على الشّأن الدّينيّ. في عام 1931 م.، خلال مناسبة دينيّة في لبنان، ألبس العمامة المكولسة لخمسة من مشايخ دروز فلسطين، آنذاك، وهُم: الشّيخ أبو يوسف أمين طريف (جولس)، الشّيخ أبو يوسف سلمان نصر (شفاعمرو)، الشّيخ عليّ حمادة طريف (جولس)، الشّيخ أبو حسن منهال منصور (عسفيا)، والشّيخ أبو محمّد سلمان خطيب (دالية الكرمل)، وقد آثر المشايخ الثلاثة الأخيرون التّنازل تواضعًا.
وفي عام 1933 م.، تولّى الشّيخ أبو حسين تلبيس ستّة من مشايخ لبنان العمامة المكولسة، هُم: الشّيخ أبو حسيب أسعد الصّايغ، الشّيخ أبو محمّد سعيد شهيب، الشّيخ أبو محمّد سعيد خطّار، الشّيخ أبو يوسف محمود العنداريّ، الشّيخ أبو محمّد نجيب أبو حمزة، والشّيخ أبو حسن عارف حلاوي. وقد تولّى الأخير لاحقًا، في 5 آذار 1988، تلبيس الشّيخَين المرحومَين: أبو محمّد صالح العنداريّ، وأبو ريدان أسعد شهيب، إضافةً إلى الشّيخ أبي محمّد جواد وليّ الدّين الّذي ألبس، بدوره، وقبل وفاته، الشّيخَين العمامة المكولسة: المرحوم أبو سعيد أمين أبو غنّام، وأبو يوسف أمين الصّائغ، أطال الله في عمره.
أيّامه الأخيرة ووفاته
كان من عادة الشّيخ أبو حسين، ومن أبرز تقاليده الدّينيّة، أن يجتمع كلّ يوم جمعة مع إخوانه المشايخ في خلوة بلدته، لأداء الصّلاة وتلاوة الذِّكر، وهو تقليد حافظ عليه حتّى قبل وفاته بثلاثة أشهر، حين بدأت صحّته بالتّدهور. ومع ذلك، استمرّ بالتّردّد إلى الخلوة ما استطاع، إلى أن أقعده المرض نهائيًّا في فراشه، فآثر البقاء في منزله صابرًا محتسبًا، مستسلمًا لمشيئة الله. وفي أيّامه الأخيرة، توافد عليه النّاس، من مختلف المناطق، لزيارته والاطمئنان على صحّته، تقديرًا لمنزلته الرّوحانيّة. ولما طُرح عليه عرض استدعاء طبيب، أجاب بتواضع المؤمن: “لقد قاربت التّسعين، فماذا أنتظر سوى الفرج، وأرجو من الله حسن الخاتمة”. ففوّض أمره إلى الله عزّ وجلّ.
وفي يوم الاثنين، الثّالث والعشرين من تشرين ثانٍ عام 1953 م.، أسلم الشّيخ أبو حسين محمود فرج الرّوح إلى بارئها، بعد عمر حافل بالعِلم والتّقوى وخدمة المجتمع التّوحيديّ. شُيّع في مباني الكلّيّة الدّاوديّة، وأُذيع خبر وفاته عبر الإذاعة اللّبنانيّة، فعمّ الحزن أرجاء البلاد كافّةً. ووفد المئات من المشايخ والمحبّين ورجال الدّين من كلّ صوب وحدب، للمشاركة في مراسم الوداع الّتي تحوّلت إلى حدث مهيب طُبع في الذّاكرة الجماعيّة ليوم لا يُنسى.
وبناءً على رغبة كبار المشايخ والمريدين، تقرّر أن يُقام ضريح للشّيخ المرحوم في فناء داره، من الجهة الشّرقيّة، ليبقى مقامه محجًّا للزّائرين وموئلًا للتّبرّك، كما كان منزله خلال حياته ملاذًا للمُحبّين. دُشّن الضّريح في التّاسع من أيلول عام 1954 م.، بحضور فضيلة الشّيخ محمّد أبو شقرا، وعدد كبير من مشايخ البلاد وأجاويدها، ليظلّ شاهدًا على سيرة رجُل نذر نفسه للدّين، وترك أثرًا خالدًا في الوجدان التّوحيديّ.
***
للتّوسُّع والاستزادة:
- العريضي، فرحان. مناقب الأعيان. عرمون: مؤسّسة ناس، ج. 5، 2024.
- مادلين أبو شقرا. “سيرة حياة الشّيخ أبو حسين محمود فرج.” فيديو على YouTube، د. ت.، استُرجع في 27 آب 2025. رابط.
- مكتب الدّراسات في مشيخة العقل. “الشّيخ العَلَم الوَرِع الدّيّان، أبو حسين محمود فرج”. الضّحى 27 (31 كانون ثانٍ، 2020). رابط.
- ناطور، سميح. العمامة المكوّرة: تاريخها وسير معتمريها. “المرحوم الشّيخ أبو حسين محمود فرج”، د. م.: د. ن، 2007. رابط.