الشّيخ يوسف بردويل أبو رسلان

الشّيخ يوسف بردويل أبو رسلان

الشّيخ أبو عليّ يوسف بردويل أبو رسلان، رضي الله عنه، شيخ جليل عُرف بورعه وتقواه وبمواقفه الوطنيّة، ونال مكانة روحانيّة رفيعة حتّى أمسى عند أهل الدّين وليًّا من أولياء الله الصّالحين. بدأ حياته زاهدًا متعبّدًا في خلوة الشّقيف[1] الّتي يعود تاريخها الدّيموغرافيّ إلى مئتَي عام ونَيْف، في رأس المتن، وكان، هو وقريب له، من أوائل الّذين قصدوا الشّقيف وبنوا فيه الخلوة الأولى حيث استقرّا متعبّدَين، وأنهى الخمس سنوات الأخيرة من عمره منفردًا في صومعة صخريّة، في بعقلين، يتعبّد ويتقرّب إلى الباري جلّ وعلا. وبين البداية والنّهاية امتدّت أربعة عقود قضاها الشّيخ أبو عليّ يوسف حاملًا مسؤوليّات دينيّة جمّة، بعد أن اختير بالإجماع ليكون شيخَ مشايخ في خلوات البيّاضة الشّريفة، ثمّ شيخَ عقل لطائفة الموحّدين الدّروز.

وُلد الشّيخ يوسف بردويل عام 1762 م. في بلدة رأس المتن، في لبنان، ويعود نسبُه إلى الأمير منذر أرسلان التّنّوخيّ؛ فلمّا تكاثر الأرسلانيّون في السّاحل الغربيّ، بعد قدومهم على دفعات من منطقة جبال بيروت وارتحالهم عنها بسبب قسوة تضاريسها، بدأوا يتوسّعون في اتّجاه الشّرق، ثمّ عادوا ينتشرون في جبال بيروت مرّة أُخرى، وكان منهم شيخٌ حادَ عن السّياسة ومالَ إلى الدّين، فقدم إلى رأس المتن وجماعة من إخوانه واستوطنوا المكان، وكان ذلك بين القرنَين الميلاديَّين الثّاني عشر والثّالث عشر. وهناك رُزق الشّيخ الأرسلانيّ النّسب مولوده البكر وأسماه “رسلان” فأصبحت كنيته “أبو رسلان”، ومع مرور الزّمن غلبت الكنيةُ الشّهرةَ، وباتت سلالته تُعرف بِاسم “أبو رسلان” بدلًا من اسمها الأصليّ “أرسلان”، فكان هذا الشّيخ مؤسّسَ عائلة “أبو رسلان” وفروعها في معاصر الشّوف والسّويداء ومجدل شمس وجبل الدّروز أيضًا.

قضى الشّيخ أبو عليّ يوسف حياتَه سائرًا في مسلك التّديُّن فكان هذا نهجه دومًا، وقد بنى خلوةً في رأس المتن، مسقط رأسه، عُرفت بِاسمه، وظلّت الخلوة عامرة إلى ما يقارب المائة وعشرين عامًا، وقد تألّفت من طابقَين: الطّابق الأعلى كان مخصّصًا للمشايخ الأجاويد حيث كانوا يسهرون ويتعبّدون، والطّابق الأسفل كان معدًّا لإيواء الأغراب والمتسوّلين القادمين إلى المنطقة، فكان المسؤولون عن الخلوة يستقبلونهم ويقدّمون لهم الطّعام والشّراب على سبيل الثّواب. وعلى أنقاض خلوة الشّيخ شُيّدت خلوة جديدة كُتب فوق باب مدخلها الرّئيس: “خلوة الشّيخ أبو عليّ يوسف بردويل أبو رسلان”. وكان الشّيخ أبو عليّ يوسف قد أوصى بإبقاء الخلوات مفتوحةً أمام قاصديها فقال: “… بحيث يضموا الخلوات مفتوحين إلى الّذي يلفوا من أهل الخير وسهرتهم منقامة لكافّة من يلفي من أهل الضّيعة وغيرهم ونقلهم منقام ورزقهم مشغول”.[2] هكذا ذاع صيت خلوات الشّيخ البردويل في البلاد بأنّها، إلى جانب كونها مطرحًا للعبادة والصّلاة، فهي موئل كريم يُحسن استقبال الفقراء والغرباء واستضافتهم.

وبعد بناء خلوات البيّاضة الّتي كانت، في بداياتها، “مدرسة” في ظلّ شجرة وتحوّلت إلى مؤسّسة دينيّة تعليميّة كبيرة، عمل مشايخها الأجلّاء على وضع نظام لإدارة شؤون هذه المؤسّسة وضبطها، فتقرّر أن يكون عليها مسؤول أعلى أطلقوا عليه اسم “شيخ المشايخ”، وكان الشّيخ أبو عليّ يوسف بردويل أبو رسلان أوّلَ شيخ مشايخ خلوات البيّاضة الزّاهرة.[3]

تعاقب على إدارة منصب شيخ العقل في لبنان مجموعة من منارات الموحّدين الأجاويد، يأتي الشّيخ أبو عليّ يوسف بردويل أبو رسلان في المرتبة الحادية والعشرين بينهم، وفق التّسلسل التّاريخيّ المعروف. وبصفته شيخ العقل أدّى الشّيخ البردويل دَورًا كبيرًا وكانت له وساطة محترمة ومقبولة في حلّ المشكلات وفضّ الخلافات والنّزاعات في عهد العثمانيّين، سواء تلك الواقعة بين عامّة النّاس أم بين الأمراء والحُكّام. من الحوادث الّتي تشهد على حسن تدبير الأمور الّذي تحلّى به الشّيخ أبو عليّ يوسف تلك الّتي وقعت إثر اعتزال الأمير بشير الثّاني سُلطة إمارة جبل لبنان، عام 1820 م.، بسبب ثقل الضّرائب غير المشروعة الّتي فرضها عبدالله باشا، والي عكّا. وبعد اعتزال الأمير تسلّم دفّة السُّلطة في البلاد الأمير سلمان شهاب والأمير حسن عليّ الشّهابي اللّذان أحدثا اضطرابًا في البلاد بسبب جباية أموال الدّولة العليّة. فما كان من أمراء المتن إلّا أن اتّفقوا مع الأمير ملحم حيدر شهاب على التّعصُّب للأمير بشير، ثمّ طردوا جُباة الأميرَين، فلمّا رأى الأخيران ذلك طلبا التّوصُّل إلى تفاهم مع الأمير بشير وحليفه، الشّيخ بشير جنبلاط، وتوجّها بطلب إلى مشايخ العقل: الشّيخ يوسف الحلبيّ، الشّيخ يوسف الصّفديّ، الشّيخ يوسف البردويل، الشّيخ عزّ الدّين والشّيخ ناصر الدّين الدّويك وكبير المشايخ الشّيخ أبو عليّ شرف الدّين؛ ليكونوا مسعى إلى الصُّلح وحلحلة الأمور المعقّدة مع الأمير بشير، وهكذا كان. فتنازل الأميران، سلمان وحسن، عن الحكم وهدأت الأوضاع في البلاد نتيجة هذه الوساطة الحميدة بين الطّرفَين الّذي كان الشّيخ البردويل شخصيّة فاعلة فيها.

عاش الشّيخ يوسف غالبيّة سنين عمره في ظلّ حكم الأمير بشير الثّاني الّذي امتدّ نحو خمسين عامًا، فكان شاهدًا على الكثير من الأحداث الجذريّة والمصيريّة الّتي غيّرت وجه التّاريخ؛ إذ فقد الموحّدون الدّروز ما تبقّى لهم من سُلطة ونفوذ بُعيد معركة عين دارة، عام 1711 م.، وعانت إمارة جبل الدّروز ظُلمَ الأمير بشير وجوره، وكان الشّيخ أبو عليّ يوسف في طليعة المعارضين لسياسة الأمير الّذي مزّق وحدة الشّعب وأضعف سياسة الإمارة الخارجيّة ما أدّى إلى وقوع التّجزئة والفتن الطّائفيّة داخليًّا، كما أنّه سعى إلى توحيد الإمارة في دين النّصرانيّة بعد أن تنصّر هو بنفسه، وقد قضى على حليفه الدّاخليّ، الشّيخ بشير جنبلاط بأن حكم عليه الجزّار، والي عكّا، بالإعدام شنقًا نتيجة لوشايات الأمير ضدّه. وفوق ذلك كلّه كان الأمير بشير يصادر أملاك الأهالي ويوزّعها على أعوانه وأتباعه، فضاقت صدور العباد ونفوسهم. ظلّ الشّيخ مخلصًا لموقفه المعارض تُجاه الأمير بشير، ولم يخشَ عقاب الأخير، وحين استدعاه الأمير إلى بيت الدّين أحضره جنده هو وأخوته، محمود وفارس ومعروف، مكبّلين بالسّلاسل، وحين سأل إخوته الثّلاثة: “من تكونون؟” أجابوا “نحن أخوة الشّيخ يوسف”، فعفا عنهم جميعًا إكرامًا لعمامة الشّيخ يوسف المكلوسة. ويُقال إنّ الشّيخ يوسف تحدّى الأمير بأن رفع العمامة عن رأسه ووضعها جانبًا وقال بصوت عالٍ: “يا بشير ها أنا ذا أمامك بدون العمامة فافعل ما تشاء، فالكرامة ليست للعمامة!”، فأمر الأمير بإلقاء الشّيخ يوسف في السّجن لتنفيذ حكم الإعدام فيه، لكنّ مشيئة الله لم تقدّر ذلك ولم يُنفَّذ الحكم الجائر في الشّيخ الجليل، فأيقن الأمير بشير أنّه من أولياء الله الصّالحين وأنّ هذه لمعجزة، فطلب إليه البقاء في قصره، غير أنّ الشّيخ الزّاهد أبى ذلك قائلًا: “أنا لا أسكن في أملاك الدّولة، ولا أتناول طعامًا ما لم أكن قد حصلت عليه بتعبي وجهدي”. غادر الشّيخ بيت الدّين متوجّهًا إلى بعقلين، حيث قضى خمس سنوات (1823-1828 م.) انصرف فيها إلى الصّلاة والعبادة حتّى آخر حياته. وظلّ يزور بيت الدّين مرّة كلّ أسبوع، بناءً على طلب الأمير بشير، فيقف له الأخير إجلالًا واحترامًا.

توفّاه الله تعالى في21 تشرين أوّل عام 1828 م.، عن عمر ناهز السّابعة والسّتّين، في بعقلين ودُفن فيها، ونُقشت على شاهد ضريحه من الجهة الغربيّة آية الكرسيّ، ومن الجهة الشّرقيّة نُقش النّصّ التّالي:

“إنّا لله وإنّا إليه راجعون

درج بالوفاة إلى رحمته تعالى

العالم العلّامة والعمدة الفهّامة

قدوة المحقّقين ورئيس المدقّقين

زين الخلّان وبهجة العصر والزّمان

المرحوم الشّيخ يوسف أبو رسلان تغمّده الله بالرّحمة

والرّضوان وأسكنه فسيح الجنان. وكانت وفاته في الثّالث عشر من شهر ربيع الثّاني سنة ألف ومايتين وأربعة وأربعين.

1244 هـ ما يعادل سنة 1828 م.

__________________________________

[1] من المشايخ الأجلّاء المعروفين في عصرنا الحاضر الّذين زاروا هذه الخلوة نذكر: الشّيخ أبو حسن عارف حلاوي، الشّيخ أو محمّد جواد وليّ الدّين، الشّيخ أبو ريدان يوسف شهيب والشّيخ أبو محمّد صالح العنداريّ.

[2] وصيّة الشّيخ يوسف البردويل (مخطوطة الشّيخ يوسف البردويل).

[3] توفيق سلمان، أضواء على مذهب التّوحيد (بيروت: د. ن.،1963)، ص. 169.

***

للاستزادة والتّوسُّع:

  1. خليل الباشا، محمّد، “أبو رسلان، يوسف بن بردويل”، معجم أعلام الدّروز، محمّد خليل الباشا (تحرير)، ج. 1 (1999).
  2. أبو رسلان، سليم. سيرة سماحة شيخ العقل أبو عليّ يوسف بردويل أبو رسلان 1762-1828. بيروت: د. ن.، 2003-2004.
  3. سلمان، توفيق. أضواء على مذهب التّوحيد. بيروت: د. ن.،1963.
  4. الشّدياق، طنّوس. أخبار الأعيان في جبل لبنان. د. م.: دار نظير عبّود، 1997، ج. 1.
  5. العريضيّ، فرحان سعيد. مناقب الأعيان. عاليه: مدرسة الإشراق، ج. 3، د. ت..
  6. أبو مصلح، حافظ. أضرحة العبّاد الموحّدين الدّروز في لبنان. د. م.: معرض الشّوف الدّائم للكتاب، 2002.

מבט על

הדרוזים בישראל

ההתיישבות הדרוזית בישראל נחשבת לשלישית בגודלה, מבחינת מספר התושבים, בעולם כולו. הדרוזים בישראל (בני דת הייחוד) מהווים עדה דתית מגובשת, המונה כ- 147 אלף בני אדם, שפתם הינה ערבית ותרבותם ערבית-ייחודית (מונותאיסטית). הדת הדרוזית מוכרת באופן רשמי, על ידי מדינת ישראל, מאז שנת 1957 כישות אחת בעלת בתי משפט והנהגה רוחנית משלה. הדרוזים בישראל חיים כיום בתוך עשרים ושניים כפרים הנפרשים בגליל, בכרמל וברמת הגולן. שני היישובים הדרוזים הגדולים ביותר מבחינת מספר תושבים הם ירכא (16.9 אלף תושבים) ודלית אל-כרמל (17.1 אלף תושבים).

0 K

דרוזים בישראל

0 +

תושבים בדאלית אלכרמל, היישוב הכי גדול בישראל

0

סטודנטים דרוזים בשנת הלימודים 2019/2020 במוסדות להשכלה גבוהה