يُعدّ سعيد بك جنبلاط من أبرز الشّخصيّات القياديّة في جبل لبنان، خلال القرن الميلاديّ التّاسع عشر، وقد ارتبط اسمه تاريخيًّا بالدّور المحوريّ الّذي أدّاه الدّروز في تلك المرحلة الحرجة من عمر الكيان اللّبنانيّ النّاشئ. وُلد في عام 1813 م. لعائلة جنبلاط العريقة الّتي تعود جذورها إلى سلالة سياسيّة واجتماعيّة راسخة في قلب الحياة الجبليّة اللّبنانيّة. والده هو الشّيخ بشير جنبلاط، الزّعيم المعروف بلقب “عمود السّماء”، وصاحب الفضل في بناء دار المختارة الّتي تحوّلت، فيما بعد، إلى معقل رمزيّ للزّعامة الجنبلاطيّة. أمّا والدته فهي السّيّدة خولة أمان الدّين، من بلدة عْبيه، وتنحدر بدَورها من عائلة ذات مكانة دينيّة واجتماعيّة مرموقة. كان سعيد بك الابن الرّابع في ترتيب إخوة خمسة، سبقه كلّ من قاسم وسليم ونعمان، بينما تلاه شقيقه إسماعيل.
أدّى سعيد بك جنبلاط دورًا محوريًّا في الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة لجبل لبنان، في النّصف الأوّل من القرن الميلاديّ التّاسع عشر، وكان شاهدًا مباشرًا ومشاركًا فاعلًا في التّحوّلات البنيويّة الكبرى الّتي شهدها الكيان اللّبنانيّ النّاشئ آنذاك. تميّز بذكاء سياسيّ لافت وبقدرة استثنائيّة على المناورة داخل بيئة سياسيّة بالغة التّعقيد، تتشابك فيها المصالح المحلّيّة مع تدخّلات إقليميّة ودوليّة متزايدة، تتنازع على النّفوذ في منطقة جبليّة حسّاسة من الدّولة العثمانيّة. ومع مساعيه الحثيثة للحفاظ على التّوازن بين المكوّنات الطّائفية والسّياسيّة، فقد ارتبط اسمه بالأحداث الدّامية الّتي شهدها جبل لبنان، وخصوصًا في حرب عام 1860 م. الّتي مثّلت ذروة التّوتّر الطّائفيّ بين الدّروز والموارنة، وما رافقها من تدخُّلات أجنبيّة كثيفة.
انتهت حياته في ظروف غامضة إثر استدعائه من قِبل السُّلطات العثمانيّة للتّحقيق في ملابسات تلك الحرب، ظاهرًا، ولإرضاء الدّول الغربيّة، حقيقةً؛ إذ ظلّت ملابسات وفاته محلّ جدل بين المؤرّخين والباحثين. هذا الغموض أضفى على شخصيّته مزيدًا من الأهمّيّة، وجعل منها موضوعًا متكرّرًا في الدّراسات التّاريخيّة الّتي تتناول دَور الزّعامات المحلّيّة في توازنات السّلطنة العثمانيّة وتشكُّل الهويّة السّياسيّة اللّبنانيّة.
نشأته وبروز زعامته
وُلد سعيد بك جنبلاط في بلدة بعقلين الواقعة في قلب جبل لبنان، في كنف أُسرة جنبلاط، واحدة من أعرق العائلات الدّرزيّة الّتي اضطلعت بدور سياسيّ واجتماعيّ محوريّ في تاريخ الجبل. كان والده، الشّيخ بشير جنبلاط، زعيمًا بارزًا ومهابًا، إلّا أنّه أُعدم شنقًا، عام 1825 م.، بناءً على أمر صادر عن الباب العالي، في إسطنبول، وذلك بتحريض من الأمير بشير الشّهابيّ الكبير الّذي رأى في الزّعامة الجنبلاطيّة تهديدًا مباشرًا لنفوذه. وتُشير الرّوايات التّاريخيّة إلى أنّ السّبب الرّئيس في إعدام بشير جنبلاط تمثّل في تمسّكِه بوضع جبل لبنان الخاصّ الّذي كان قد حظي بنوع من الحماية الضّمنيّة من قِبل الدّول الأوروبّيّة الكبرى، ورفضِه الانصياع الكامل لحُكم الأمير الشّهابيّ، في الوقت الّذي كانت فيه الدّولة العثمانيّة تسعى إلى إحكام قبضتها على الجبل وإلغاء الامتيازات المحلّيّة الخاصّة بسكّانه.
عقب إعدام والده، اضطرّت والدته، السّيّدة خولة أمان الدّين-جنبلاط، إلى الفرار من انتقام الأمير بشير الشّهابيّ، فاصطحبت أبناءها، إلى جانب أبناء سِلفها، الشّيخ حسن، في رحلة لجوء قاسية حفاظًا على حياتهم. استقرّت العائلة، في بادئ الأمر، في منطقة حوران، ثمّ انتقلت إلى دمشق، وهناك علِم والي عكّا بمكان وجودهم، فاستدعاهم إلى عكّا وأمر بإيوائهم في قرية جولس الواقعة تحت سُلطته، متعهّدًا بحمايتهم وتوفير احتياجاتهم. وبعد فترة من الاستقرار هناك، أعادهم الوالي إلى ديارهم في جبل لبنان.
ومع تغيُّر المعطيات السّياسيّة فيما بعد، عزلت الدّولة العثمانيّة الأمير بشير الشّهابيّ ونفته إلى الأستانة (إسطنبول)، حيث توفّي لاحقًا. كما رحل، في الفترة نفسها، أحمد باشا الجزّار، وكان من الشّخصيّات المؤثّرة في السّياسة الإقليميّة آنذاك. في أعقاب هذه التّحوّلات، عاد سعيد بك جنبلاط إلى موطنه، وتسلّم مقاليد الزّعامة الجنبلاطيّة، خلفًا لوالده، ليبدأ مرحلة جديدة من التّفاعل الفاعل مع المشهد السّياسيّ والاجتماعيّ في جبل لبنان، وليرث إرثًا ثقيلًا من النّفوذ والمواجهة.
دوره في الصّراعات الدّاخليّة
شهد القرن الميلاديّ التّاسع عشر، في جبل لبنان، موجةً من الاضطرابات الطّائفيّة الحادّة الّتي تصاعدت عن نحو متدرّج لتبلغ ذروتها في الأحداث الدّمويّة الّتي وقعت في الأعوام: 1840 و-1845 و-1860 م.. وقد جاءت هذه الفتن نتيجة احتدام التّوتّرات بين الطّائفتَين المارونيّة والدّرزيّة، في سياق إقليميّ بالغ التّعقيد، طبعته تدخّلات متزايدة العثمانيّة، من جهة، والقوى الأوروبّيّة، سيّما فرنسا وبريطانيا، من جهة أُخرى، ما زاد من هشاشة البنية السّياسيّة والاجتماعيّة في الجبل.
في أحداث عام 1840 م.، وقف سعيد بك جنبلاط إلى جانب أبناء طائفته، مدافعًا عن مصالح الدّروز في وجه القوى المارونيّة المدعومة سياسيًّا وعسكريًّا من الفرنسيّين. واستمرّ التّوتّر الطّائفيّ في التّصاعد خلال أحداث عام 1845 م.، إلّا أنّ جنبلاط أبدى، حينها، قدرة لافتة على الحفاظ على نوع من التّوازن النّسبيّ، من خلال نسج تحالفات داخليّة دقيقة، واستغلال التّناقضات بين القوى الإقليميّة والدّوليّة المتنافسة على النّفوذ في جبل لبنان. أمّا في عام 1860 م. فقد اندلعت واحدة من أعنف الحروب الأهليّة في تاريخ جبل لبنان، وتمثّلت في موجة من أعمال العنف الطّائفيّ العارم بين الدّروز والموارنة. وتُشير روايات متعدّدة، من بينها ما ورَد في كتاب الأخوين فيليب وفريد الخازن، إلى أنّ سعيد جنبلاط كان واعيًا، منذ البداية، للمكائد الّتي دبّرتها السُّلطات العثمانيّة والبعض من القوى الأجنبيّة لزرع الشّقاق بين الطّوائف، بهدف زعزعة الاستقرار وتبرير التّدخّلات الخارجيّة.
في هذا السّياق، اتّخذ جنبلاط خطوة غير مألوفة حين كلّف الشّيخ خطّار الخازن بإدارة شؤون المسيحيّين ضمن إقطاعاته، في مسعى واضح لحمايتهم وضمان أمنهم وتعزيز التّعايش بين أبناء الجبل. غير إنّ هذه المبادرة لم تفلح في كبح جماح الفتنة الّتي يقال إنّه جرى تأجيجها عمدًا بتحريض مباشر من قِبل الولاة العثمانيّين، وبدعم البعض من القناصل الأوروبّيّين، سيّما البريطانيّين والفرنسيّين، إضافةً إلى ضبّاط عسكريّين أجانب، أبرزهم الكولونيل روز الإنجليزيّ.
علاقاته مع القوّة الإقليميّة والدّوليّة
تميّز سعيد بك جنبلاط بدهائه السّياسيّ وبراعته في نسج علاقات معقّدة ومتعدّدة المستويات؛ إذ حافظ على صلات متينة مع الدّولة العثمانيّة، من جهة، وفي الوقت نفسه أقام تواصلًا مستمرًّا مع ممثّلي القوى الأوروبيّة، سيّما القنصلين البريطانيّ والفرنسيّ اللّذين كانا يسعيان إلى تعزيز نفوذ بلديهما في جبل لبنان، كلٌّ بحسب مصالحه وتوجّهاته. وقد مكّنته هذه العلاقات المزدوجة من توسيع هامش المناورة السّياسيّة، وسط شبكة من التّوازنات الدّقيقة، لكّنها جعلته، أيضًا، هدفًا لشبهات متزايدة، وعرضةً لمحاولات إقصاء من أطراف عثمانيّة وأجنبيّة على حدّ سواء، خصوصًا في أعقاب أحداث عام 1860 م..
بعد انتهاء الحرب الأهليّة اللّبنانيّة في تلك السّنة، باشرت الدّولة العثمانيّة، تحت ضغط القوى الأوروبّيّة، عمليّة إعادة تنظيم الأوضاع في جبل لبنان. وفي هذا السّياق، استدعى الوالي العثمانيّ، فؤاد باشا، عددًا من الزّعماء المحلّيّين للمثول أمامه بهدف التّحقيق في ملابسات الحرب ومحاسبة المتورّطين فيها، وكان سعيد بك جنبلاط من بين أولئك الّذين وُجّهت إليهم الدّعوة. وعلى التحذيرات المتكرّرة الّتي تلقّاها من مقرّبين إليه، نصحوه بعدم الاستجابة خشبة الوقوع في فخّ سياسيّ، فقد قرّر جنبلاط المثول أمام الوالي امتثالًا للدّعوة الرّسميّة.
فور وصوله إلى بيروت، جرى احتجازه في “قشلة بيروت”، مقرّ القيادة العسكريّة العثمانيّة، حيث لم يُمنح فرصة الدّفاع عن نفسه ضمن إجراءات قضائيّة عادلة. وبعد فترة قصيرة من احتجازه، أُعلنت وفاته، عام 1861 م.، في ظروف غامضة لم تُكشف تفاصيلها كاملةً حتّى اليوم. وتُشير مصادر تاريخيّة عدّة إلى احتمال أن يكون قد قضى تحت التّعذيب، أو نتيجة تسميم متعمّد. وقد دُفن في منطقة الأوزاعي، في بيروت، تاركًا خلفه إرثًا سياسيًّا معقّدًا ومثيرًا للجدل، ارتبط بتاريخ الزّعامة الدّرزيّة في مرحلة كانت من أكثر المراحل حسّاسيّة في تاريخ جبل لبنان.
إرثه وتأثيره في التّاريخ اللّبنانيّ
بعد وفاة سعيد بك جنبلاط، عام 1861 م.، انتقلت الزّعامة الجنبلاطيّة إلى ابنه، نجيب جنبلاط، الّذي واصل الحفاظ على حضور العائلة السّياسيّ والاجتماعيّ في جبل لبنان. وفي الجيل الثّاني، برز حفيده، فؤاد جنبلاط، الّذي لعب دورًا سياسيًّا فاعلًا في أوائل القرن الميلاديّ العشرين، إلى أن جرى اغتياله في ظروف سياسيّة شديدة التّوتّر.
وفي منتصف القرن الميلاديّ العشرين، تولّى كمال جنبلاط، حفيد سعيد بك، زعامة العائلة، ليصبح واحدًا من أبرز القادة السّياسيّين والفكريّين في لبنان والعالم العربيّ، ومؤسّس الحزب التّقدّميّ الاشتراكيّ، وفاعلًا محوريًّا في الحركات الإصلاحيّة والوطنيّة، قبل أن يُغتال هو الآخر عام 1977 م..
لم يزل إرث سعيد بك جنبلاط حاضرًا في الذّاكرة السّياسيّة اللّبنانيّة، ويُنظر إليه بصفته واحدًا من الرّموز الّتي أسهمت في بلورة معالم الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة، في جبل لبنان، في مرحلة شديدة الحسّاسيّة من تاريخه، طبعها التّداخل بين المحلّيّ والإقليميّ والدّوليّ. ومع الجدل المستمرّ حول طبيعة دوره في الفتن الطّائفيّة، خصوصًا في حرب عام 1860 م.، فإنّ مكانته، بصفته زعيمًا سياسيًّا بارزًا، لا يمكن إنكارها، نظرًا إلى ما لعبه من دَور في رسم توازنات ظلّت قائمة لعقود، وأسّست لمسار طويل من الزّعامة الجنبلاطيّة الّتي بقيت مؤثّرة في المشهد اللّبنانيّ حتّى اليوم.
هكذا، كانت وفاة سعيد جنبلاط في السّجن ضربة مؤلمة لمكانة الدّروز السّياسيّة في جبل لبنان، ذلك إنّ اعتقال قادة الدّروز وسجنهم بعد انتصار الدّروز عسكريًّا في المواجهة جسّد فقدانهم لموضعهم القياديّ في جبل لبنان.
***
للتّوسُّع والاستزادة:
- غنّام، رياض. بشير قاسم جنبلاط. لندن: مؤسّسة التّراث الدّرزيّ، 2011.
- غنّام، رياض. سعيد بك جنبلاط 1861-1813. د. م.: دار معن، 2015.
- ناطور، سميح. “جنبلاط، إسماعيل بشير”، موسوعة التّوحيد الدّرزيّة، ج. 2، 2011.
- ناطور، سميح. ” السّيّدة خولة جنبلاط، أرملة الشّيخ بشير جنبلاط ترفض مقابلة والي عكّا عبد الله باشا في عكّا وتصرّ أن تلقاه في بيت الرّئيس الرّوحيّ للطّائفة الشّيخ سليمان طريف”، العمامة 167 (2024). الرّابط.